توقيت القاهرة المحلي 09:23:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مدراسُ الراهبات

  مصر اليوم -

مدراسُ الراهبات

بقلم: فاطمة ناعوت

لماذا يتهافتُ الناسُ على مدارس الراهبات ومدارس الرهبان؟ وحين يواجهون قوائمَ الانتظار الطولى، وشروط الدخول العسرة، تحول بينهم وبين رحابها، يلجأون للوساطة علّهم يظفرون بمقعدٍ لأطفالهم وطفلاتهم بين جدرانها؟ السبب هو أن تلك المدارس العريقة نجحت فى تحقيق المعادلة العصيّة: «تعليم+أخلاق+رُقىّ».

ما إن تجتازَ قدماك بوابةَ إحدى مدارس الراهبات فى مصر، فقد دخلتَ معبدًا للعلم، لا مجردَ صرحٍ تعليمى. فى حضرة تلك الجدران البيضاء الصموت، التى تعزفُ عن الضجيج والصخب، تُشرقُ المعرفةُ بأناقةٍ، وتُزهرُ التربيةُ بحُنوٍّ حازم، وتُروَى الأرواحُ بانضباطٍ يشبه الثكنات العسكرية. ليست مدارسُ الراهبات كغيرها. ثمّةُ فرقٌ شاسعٌ بين تدريس العلوم، وغرسه فى تربةٍ مُهيأةٍ: بالنظام، والهدوء، والخلق الكريم. هناك، لا يُلقَّنُ التلميذُ، بل «يُصاغُ» كما تُصاغُ القصائدُ: بعنايةِ شاعرٍ يزنُ كلَّ كلمة، ويهندسُ كلَّ فاصلة.

فى تلك المدارس، تجتمعُ أناقةُ الزى المدرسى وحُسن المظهر والنظافة، بانضباطٍ حاسم يغسلُ الوقتَ من الفوضى، مع حُنوّ الراهبات الصارم! وهل يجتمعُ «الحنوّ» مع «الصرامة»؟! تلك معادلةٌ مستحيلة، لا يعرفُ سرُّها إلا الراهبات! ليس العِلمُ وحدهُ هو المُقدَّس بين جدران تلك الصروح التعليمية، بل السلوك، النظافة، الالتزام، الضمير، والحبّ. نعم، الحبّ؛ ذلك الذى يُسكَب فى قلوبنا من عيون الراهبات وابتساماتهنّ، وحنانهنّ الذى يشبه دفءَ الأمهات.

فى الصباح، يُعزف النشيدُ الوطنى، ثم تُتلى القيمُ، فى وقفةٍ روحيةٍ لا تُفرّق بين مسلمٍ ومسيحى. تتعلّمُ الطفلةُ أن تقولَ: «من فضلكِ» و«شكرًا»، وأن تحافظ على هندامها، وتكتبَ بخطٍّ مُنمَّق كأنما تطرّزُ بحروفها وشاحًا من الأناقة المعرفية. يتعلَّمُ التلاميذُ أن زملائهم فى الفصل رفقاءُ حياة، لا خصومًا منافسي؛ فتتشكّل النواةُ المجتمعيةُ المصغّرة منذ البدء على نحو صحى سليم. فكل فردٍ فى المجتمع هو صُنوٌ وسندٌ وملاذٌ، وليس «آخرَ» يُخشى جانبُه، بل صديقٌ يساهمُ معى فى ارتقاء الوطن.

تنتشر مدارسُ الراهبات فى ربوع مصر منذ أكثر من قرن ونصف، من الإسكندرية إلى أعماق الصعيد، حاملةً على عاتقها رسالةَ التعليم والتهذيب، وتُديرها جمعيات رهبانية فرنسية وإيطالية وألمانية ولبنانية، تركت بصمتَها المضيئة فى ذاكرة أجيال متعاقبة من المصريين. من أشهرها «مدرسة نوتردام ديزابوتر» التى تعلّمت فيها والدتى، و«الفرير»، و«سان جوزيف»، و«القديسة آنا»، و«الراعى الصالح»، و«القلب المقدس»، و«الجيزويت»، وغيرها من الأسماء اللامعة. وأفخرُ أننى من بنات مدرسة CGC تلك المدرسة العريقة التى احتفلنا مؤخرًا بعيد ميلادها الـ110 فى حفل حاشد حضره «قداسة البابا تواضروس الثاني»، وقال فيه إن خريجات هذه المدرسة «أميراتٌ» يُضئن المجتمع. فى تلك المدرسة الجميلة تعلّمتُ القيمَ الرفيعة واحترام الشعائر الإسلامية، ولم نشعرُ يومًا بالتمييز الدينى، فقد كان فى رحاب المدرسة مسجدٌ صغيرٌ أنيق مزوّدٌ بالمصاحف والكتب، أمام الكنيسة المدرسية، فى مشهد يجسّد أرقى معانى السماحة والمحبة.

مدارسُ الراهبات حضنٌ تربوىٌّ وفضاءٌ تعليمىٌّ يغرسُ فى النفس قيم: التهذّب واحترام الآخر وحب الوطن وتقدير الوقت، وقدسيّةَ الكلمة. ولا يغيب الرافدُ الإنسانى عن الرافد المعرفى فى تلك المدارس. فإلى جانب الرحلات التثقيفية للمتاحف والمعالم الوطنية والعالمية، فإن زيارات دور الأيتام والمسنين جزءٌ أصيلٌ من النشاط المدرسى عطفًا على مشروعات التبرع والمساعدات المجتمعية، التى تغرس فى الطفل قيمة الخير والتآزر. فتخرج الطفلةُ من تلك الجدران، وقد عرفت معنى أن تكون «مواطنة»، تعرفُ حقّها، وتؤدى واجبها، وتحتضن المختلف عنها بكل محبة.

لهذا، ليست مصادفةً أن كثيرًا من نُخب المجتمع، من مثقفين ومفكرين ووزراء وسفراءَ وقضاةً، ورموز المجتمع فى الفن والطب والهندسة والعلوم والإعلام، تخرجوا من تلك المدارس، حاملين أثرًا جليًّا من تلك الأناقة المعرفية، والتهذيب السلوكى، والذوق الرفيع. ولهذا، ليس مُستغربًا أن يسعى أعداءُ مصرَ الكارهين ازدهارَها إلى محاولات هدم وتشويه تلك الصروح العظيمة.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مدراسُ الراهبات مدراسُ الراهبات



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt