توقيت القاهرة المحلي 23:18:22 آخر تحديث
  مصر اليوم -

دقّوا الشماسى

  مصر اليوم -

دقّوا الشماسى

بقلم - فاطمة ناعوت

كنتُ، مثل معظم أبناء جيلى، طفلةً بريئة، أُصدّقُ ما يُقال لى لأننى لا أفترضُ فى الناس إلا الصدق. كنتُ عنيدةً، متمردةً، شاطرة فى المدرسة، وأفكارى تسبق عمرى، ورغم كل ما سبق، من السهل جدًّا خداعى. كنتُ فى الرابعة من عمرى حين شاهدتُ إعلان فيلم «أبى فوق الشجرة»، فركضتُ إلى أبى وسألته: لماذا صعد الأبُ فوق الشجرة؟، فأنبأنى أبى الشاعرُ: «حتى يكلِّمَ العصافيرَ ويبنى معها أعشاشَها»، فقررتُ أن أتسلّق الشجرةَ لأكلم العصافير.

وكلّما أطلَّ الصيفُ برأسه من نافذة الحياة، وبدأ الحديثُ عن البحر والشمس والمصايف، أتذكر أغنية «دقوا الشماسى»، التى صُوِّرت على بلاج الإسكندرية الساحر فى أيام طفولتنا. وأتذكر حكايتى مع فيلم «أبى فوق الشجرة»، الذى قرر أبى وأمى مشاهدته فى السينما. توسّلت لأمى أن أذهب معهما لأننى أريد أن أشاهد «عمو وهو بيطلع فوق الشجرة ليكلّم العصافير»!، ورفضت أمى بالقطع لأنه «فيلم للكبار فقط». لكن أبى الطيب أقنعها أننى بالتأكيد سوف أنام مباشرة بعد فقرة «ميكى ماوس»، التى كانت تُعرض فى السينمات قبل الأفلام، فلا خوف إذن على طفلة لا تعِى من أمرها شيئًا!، وهذا ما حدث. استغرقتُ فى النوم بعد والت ديزنى مباشرة. لكننى كنتُ أصحو من النوم منتفضةً بين الحين والحين لأسأل أمى: «ماما عمو طلع فوق الشجرة ولّا لسه؟»، تُجيب أمى: «لسه.. نامى يا حبيبتى. لما يطلع فوق الشجرة هصحِّيكى»، وطبعًا صدّقتُ وعد أمى بأنها ستوقظنى حين يطلع عمو فوق الشجرة. كنتُ أصغر من فهم المجاز الأدبىّ الذى اختاره «إحسان

عبدالقدوس» فى عنوان الرواية ليشير إلى وقوع الأب فى نفس الفخ الذى حاول إنقاذ ابنه منه. كل ما كان يعنينى هو مشهد رجل وسيم وأنيق يشبه أبى، وهو يصعد فوق الشجرة ليلعب مع العصافير ويغنى حتى تعلّمه العصافيرُ الطيرانَ، مثلما كنتُ أحلمُ بتعلّم الطيران. لا أظن أن أطفال اليوم قد يفكرون على هذا النحو الساذج الذى كنتُ عليه فى الرابعة من عمرى.

وتوالتِ العقود وشاهدتُ الفيلم بعين النوستالجيا. زرقة بحر الإسكندرية، والرمال النظيفة والشماسى الملوّنة الجميلة، والبنات الجميلات يرتدين الفساتين، ويلعبن الراكيت والحبل والكرة ويغنين ويرقصن فى طفولة وعذوبة دون أن يضايقهن أحدٌ، ودون أن ينظر إليهن أحد باعتبارهن صيدًا سهلًا أو طرائد يهربن من عيون القناصين. كان الزمن نظيفًا وكانت العقول نظيفة والقلوب نظيفة.

صحيح أننى لم ألحق من ذلك الزمن إلا سنوات قليلة كنتُ فيها طفلة لا تعِى الكثير، وأمضيتُ صباى وشبابى فى الزمن «نصف النظيف»، لكن ثمة جيلٌ كامل لم ير أصلًا ذاك الزمان، إلا فى الأفلام «الأبيض والأسود»، التى صاروا يشاهدونها بعيون الاغتراب كما يشاهدون الأفلام الأجنبية التى تنتمى إلى مجتمعات غريبة وأزمنة غريبة، لا تمتُّ لعصرنا ولا لبلادنا بأى صلة. فى ذلك الزمن النظيف، كانت أمى تخرج بالكعب العالى والملابس الشانيل، وتضع الفرير حول كتفيها، دون أن تتفرّس العيونُ الجائعةُ فى جسدها، ودون أن ترميها الألسنُ الطولى بخادش القول، ودون أن يخشى عليها أبوها أو زوجها أو شقيقها من تحرّش أو بذاءة. كانت كعوب الأحذية رفيعة لا تنكسرُ فى الطرقات لأن الطرقات مستوية والأرصفة ممهدة للسير غير مستلبة بالإشغالات وضجيج الباعة. وكانت الأحذية البيضاء لا تتلوث فى الشوارع لأن الشوارع نظيفة. وكانت الأرواحُ لا تتصدع ولا العيونُ تشمئز ولا الآذانُ تنفرُ لأن المجتمع كان نظيف الروح والعقل والبدن.

أعرف أن معظم مَن يقرأون هذا الكلام الآن، سواء كانوا من جيلى أو من جيل أحدث أو أقدم، يفرّون من لحظتنا الحالية إلى الماضى النظيف عبر تلك الأفلام القديمة »الأبيض والأسود«. نبحث عن جمالنا المغدور فى وجوه جداتنا وأمهاتنا وأجدادنا وآبائنا. نبحث عن أناقة مصر المسروقة، فى أناقتها القديمة ونظافتها الغابرة التى قتلها الزمانُ. لا، خطأ!. الزمانُ لا يقتلُ جمالَ البلدان، بل المفترض أن يزيدها حسنًا وعراقة إن شاء ذلك أبناءُ تلك البلدان وأرادوا. البشر هم مَن يصنعون الجمال أو يقتلونه إن أرادوا. نحن مَن قتل أناقة مصر وحُسنها، وأوغلنا فى إزهاق روح نظافتها، حتى غدونا الآن نقولها مع زفرة حسرة ووجع: »آآآآه!، كان زمن جميل!، كان زمن نضيف!». الزمنُ الذى طلع فوق الشجرة، ولم يعد. علينا اليوم أن نستعيد حُسنَ مصر ونظافة عقلها وقلبها ونعيد بناء ما تهدّم من براءتها، ونحن قادرون على ذلك، و«الجمهورية الجديدة» تستحق. ودقوا الشماسى!.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دقّوا الشماسى دقّوا الشماسى



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

بريق اللون الفضي يسطع على إطلالات النجمات في بداية عام 2026

دبي ـ مصر اليوم

GMT 17:39 2026 الأربعاء ,07 كانون الثاني / يناير

نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم تواجه انتكاسة صحية مفاجئة بعد حادثتها في الخارج

GMT 01:34 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند
  مصر اليوم - التايمز تكشف سيناريوهات السيطرة الأميركية على غرينلاند

GMT 13:59 2026 الخميس ,08 كانون الثاني / يناير

محمد هنيدي يواصل التحضير لمسلسله رغم خروجه من رمضان
  مصر اليوم - محمد هنيدي يواصل التحضير لمسلسله رغم خروجه من رمضان

GMT 02:44 2025 الأربعاء ,21 أيار / مايو

تكساس الأميركية تسجل 4 إصابات جديدة بالحصبة

GMT 01:02 2019 الأربعاء ,06 شباط / فبراير

فنزويلا ساحة جديدة للاستقطاب الدولى

GMT 23:56 2018 السبت ,27 كانون الثاني / يناير

شهد سامي رسامة في " بالحب هنعدي" وحفيدة سميرة أحمد

GMT 21:13 2017 السبت ,30 أيلول / سبتمبر

فوائد زيت الخروع لتطهير القولون والعمل كملين

GMT 18:55 2021 السبت ,17 إبريل / نيسان

ديكور غرف نوم باللون الكريمي

GMT 09:56 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

محمد صلاح يُغيِّر مقرّ الحجر الصحي وسط تكتّم وسرية شديدة

GMT 13:33 2020 الجمعة ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر اليورو في مصر اليوم الجمعة 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 13:18 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

لهواتف آيفون.. Facebook يطرح تحديثاً لإصلاح ثغرة الكاميرا

GMT 01:01 2019 السبت ,09 تشرين الثاني / نوفمبر

صدمة الفنانة ندى موسى بـ شبر ميه تدخلها الأعلى مشاهدة

GMT 08:28 2019 الثلاثاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

شيرين عبد الوهاب تنافس على لقب أفضل مطربة في أفريقيا لعام 2019
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt