توقيت القاهرة المحلي 19:04:26 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عش الدبابير

  مصر اليوم -

عش الدبابير

بقلم :تمارا الرفاعي

أراقب منذ مدة دبابير تحوم عند شباك أراه من شباك مطبخى، تخرج كلها من مخبئها مرة فى اليوم وتحوم فى مساحة بين عمارتى والعمارة الثانية قبالتى. ترتطم بعض الدبابير أحيانا بشباك أو بجدار وتكمل رقصتها العصبية ثم تعود إلى كهفها داخل ركن من الاسمنت على زاوية الشباك. نفس الحركة كل يوم أراقبها من مطبخى. لا تقترب الدبابير من شباكى ولا تشكل أى خطر على إنما يزعجنى وجودها أو بالأحرى تزعجنى معرفتى بأنها تتواجد فى مكان قريب منى.
***
فهمت فيما بعد أن الشباك الذى تختبئ داخل زاويته الدبابير هو لشقة مهجورة، لم يسكنها أحد منذ سنوات ويبدو أن أصحابها قد نسوا أمرها. طلبت من حارس العمارتين أن يدخل إلى الشقة وينظر من الطرف الداخلى للشباك إلى المخبأ حتى نفهم الوضع. وفعلا دخل الحارس إلى الشقة المهجورة وتحرك داخل الشقة وقرب الشباك، وإذ بآلاف النقط السوداء تملأ الفضاء وترتطم بشبابيك العمارتين، عمارتى وتلك المقابلة لها حيث الشقة المهجورة. كان المنظر كما أراه فى برامج تلفزيونية تشرح عالم الطبيعة والحيوانات والحشرات، اجتياح للفضاء أمام شباكى ودبابير تطير وتحط وترتطم وتملأ المساحة بغضب وعنف.
***
لطالما استخدمت عبارة «عش الدبابير» فى نقاشات وكتابات عن مواضيع معقدة يُفضل أن تُترك ولا يتم المساس بها. يقال دوما أن علينا ألا نلمس عشا للدبابير ولا نحركه خشية أن يغضب من فيه فنفتح طاقة من اللسع والألم كنا بغنى عنها. فى العلاقات الإنسانية كما فى السياسة والشأن العام، أعشاش للدبابير هنا وهناك قد لا نراها إنما هى تتمدد وتأخذ مساحة وقدرة على الأذى أكبر مما يظهر للعين المجردة.
***
هل من الأعقل فعلا ترك الدبابير تبنى عشها وتقوى من وجودها أم أنه من الأكثر عملية أن نحاول إزالتها من أول الأمر فلا نترك مجالا لما قد يلسع ويضر؟ أسأل نفسى دوما إن كان من الأبدى أن أواجه شخصا فى كل مرة شعرت فيها بعدم الارتياح لموقف أو لكلمة بدرت منه. هل أتوقف فى كل مرة لتسوية أمر قبل أن يتفاقم أم أن ذلك سيكلفنى ويكلف من حولى توترا فى غير محله؟ طبعا ليس كل توتر مشروع عش للدبابير، وإلا فلن يعيش اثنان معا قط بسبب اللسع المستمر، إنما قد تتطور بعض المواقف بشكل سريع وغير مفهوم إن لم يتم فض الاختلاف أو على الأقل مواجهته سريعا.
***
أن أقول لشخص إننى غضبانة، أن أعبر عن خيبة أمل شعرت بها، أن أعترف أننى أحسست بالإهانة، أن أسأل صديقة لماذا استخدمت كلمة معينة أو أسأل إن كانت تقصد أن تجرحنى. أن أتقبل نفس السؤال من الصديقة، أن أعترف أننى تماديت وأخطأت باستخدام أسلوب لم تتقبله، أن أراجع ما قلته فى محاولة لاستدراك علاقة، هل هذه كلها أعشاش دبابير؟ أم أنها محاولات لفض العش قبل أن تسكنه الدبابير؟
***
المواجهات ليست بالأمر السهل، الشفافية أسلوب يطالب به الجميع إنما غالبا ما يشوبه الضباب لأن الحركة فى الضباب أسهل ربما. المباشرة كثيرا ما ينظر إليها على أنها افتقار للباقة، خصوصا ضمن ثقافة مركبة يتحكم بالكثير منها العيب والحرام ونظرة الناس لنا. ثقافة فيها من التركيب ومن التعقيد مقدار أعشاش كثيرة من الدبابير، لا نراها إنما تلسع. لكنها أيضا ثقافة فيها الكثير من حلاوة اللسان ومحاولات للالتفاف حول الاختلافات وتضميد الخلافات قبل أن تتحول إلى جروح فى الروح.
***
لذا فأنا أراقب الدبابير وهى ترتطم بزجاج شباكى وأكره صوت الارتطام وشكل الدبور الغاضب. أخاف أن أفتح الشباك فيدخل أحدهم إلى مطبخى. ربما كان من الأفضل أن أدع المجموعة بشأنها دون أن أتدخل وألا أطلب من الحارس أن يفهم ماذا يختبئ داخل الشباك. ربما يجب أن أترك الدبابير بحالها وأنظر إلى الجهة الأخرى من الشباك.
***
ربما كان يجب أن نمنع بناء العش وأن ننتبه أن ثمة عشا للشر بدأ يتشكل. ربما كان عليّ أن أتدخل قبل الآن وأحول دون بناء العش. ربما فى العلاقات الإنسانية هناك سر ما زلت أعمل على اكتشافه يتيح لى أن أعبر عن انزعاجى بشكل يحسن من العلاقة ويسمح للآخر أن يعبر عن انزعاجه منى أيضا. ربما ثمة مكان فى الوسط ألتقى به مع من أحبهم لنوقف تفاقما قد يلسعنا معا. ربما ثمة منطقة محايدة بعد الشفافية وقبل الضباب، أعبر فيها عن حزنى دون أن أنسف الصداقة، أستمع فيها إلى انزعاج الآخرين منى دون أن أغضب منهم.
***
محاولة لا تتوقف من معرفة الذات وافتراض أننى كما غيرى نريد الحفاظ على المودة وتجنب دخول أول دبور من خلال خرم صغير داخل طرف الشباك سوف يتحول إلى عش من شبه المستحيل التخلص منه دون أن أؤذى نفسى والآخرين. أراقب الدبابير تطير بعنف وترمى بأجسادها على شباك مطبخى وأذكّر نفسى أننى سأفعل ما أستطيع لمنع أول دبور من التسلل إلى زاوية فى حياتى، حتى لو كانت زاوية مظلمة غير مهمة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عش الدبابير عش الدبابير



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt