توقيت القاهرة المحلي 14:20:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الهجرة ليست صناعة ليبية أو تونسية

  مصر اليوم -

الهجرة ليست صناعة ليبية أو تونسية

جبريل العبيدي
بقلم - جبريل العبيدي

ليبيا وتونس ضحيتان لأزمة الهجرة غير النظامية، فكلتاهما لم تنتج الهجرة، ولا تسببت فيها ولا شاركت في إنتاجها، بل الفقر والجوع والإهمال والحروب هي التي صنعت مناخاً للهجرة من أفريقيا البكر إلى أوروبا العجوز، مروراً بليبيا وتونس.

ليبيا ليست مسؤولة عن تهجير هؤلاء الآلاف من أوطانهم في الوقت الذي تعاني فيه من وجودهم على أرضها، منتهكين حرمتها وقوانين الدخول إليها والإقامة فيها، فليبيا لا تتحمل مسؤولية هؤلاء المتسللين إلى أراضيها؛ لأنهم في الأصل دخلوا أراضيها من دون علم أو إذن السلطات حتى يكتسبوا حق التمتع بالحماية، فهم تسللوا إلى الأراضي الليبية من خلال مهربين وتجار الهجرة عبر الصحراء؛ لأن ليبيا تعتبر لهم مجرد بلد عبور يختبئون فيه حتى من أعين السلطات، مما يجعلهم ضحية سهلة للمهربين طوال رحلة الهروب أو الهجرة، وخاصة في بلد يعاني من فوضى الميليشيات المسلحة وغياب السلطة المركزية للدولة.

فالجنوب الليبي (المعبر الرئيسي للهجرة غير النظامية) يعاني نزاعاً قبلياً متجدداً ومتعدد الأسباب والدوافع، وانعدام الأمن وضنك العيش منذ زمن، يعبر عن إرث كبير من الفوضى وغياب الدولة والفراغ، وكونه بوابة الهجرة غير القانونية ومعبراً مهماً لها بسبب الحدود السهلة الاختراق، ووجود ميليشيات «الإسلام السياسي»، هذا المناخ استخدمه البعض للعبث حتى بالديمغرافيا في الجنوب الليبي للسيطرة والتحكم ونهب الثروات الطبيعية.

ولعل إجلاء وترحيل هؤلاء المهاجرين غير النظاميين، الذي أقره اجتماع قمة أبيدجان، وأعلن فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن اتفاق ليبيا مع الاتحاد الأوروبي والقادة الأفارقة، على السماح بإجلاء المهاجرين الذين يواجهون اعتداءات في معسكرات الاحتجاز، بشكل طارئ خلال أسابيع، فقال ماكرون إنهم قرروا القيام بعملية طارئة لإخلاء أولئك الذين يريدون الخروج من ليبيا، رغم إجلاء أو ترحيل أو إبقاء هؤلاء المتسللين للمحاكمة في ليبيا لتسللهم للأراضي الليبية، وقد يكون بعضهم قد شارك في أعمال تخريبية أو الانضمام للجماعات المسلحة أو حتى «داعش»، وخاصة أن إيطاليا إحدى دول المهجر لهؤلاء اعترفت بتسلل عناصر لداعش عبر هؤلاء المهاجرين، وبالتالي يصبح من حق السلطات الليبية معاقبة المتسللين لأراضيها بغير صفة قانونية حتى لا يتكرر التسلل، مثل ما يطلب من ليبيا محاسبة المسيئين لمعاملة هؤلاء المتسللين بصفة الهجرة، كما أن ليبيا وتونس ليستا مسؤولتين عن نفقة الترحيل أو الإجلاء لمتسللين لأراضيهما.

تدويل قضية المهاجرين غير النظاميين من دون الولوج في حل مسبباتها من غياب تام للتنمية والتطوير في بلدان منشأ الهجرة، وبدلاً من ذلك معاقبة ومحاسبة بلدان العبور مثل ليبيا وتونس، يعدُّ معالجة خاطئة، ولن تفضي إلى أي حل ناجع يمكن أن يوقف الهجرة.

محاولات توطين المهاجرين في بلدان العبور مثل ليبيا أو حتى تونس تعتبر محاولات بائسة من الاتحاد الأوروبي الذي لا يزال يتعامل مع تسونامي الهجرة غير النظامية بالشكل الخاطئ بطريقة النعامة في مواجهة الخطر بدس رأسها في الرمال، تاركة جسدها للعراء.

أزمة المهاجرين لن تتحملها ليبيا ولا تونس، ولا أي بلد عبور، ولن تتحول هذه الدول إلى حارس مجاني للاتحاد الأوروبي الغارق في الفشل السياسي في التوافق حتى على رؤية موحدة لمواجهة الهجرة التي تهدد حدوده، وحتى الديمغرافيا في أوروبا النائمة التي تجاهلت في زمن هوجة الربيع العربي تنامي ميليشيات الإسلام السياسي التي أنتجت «داعش» في بضع سنين.

التغافل والتعاطي والتعامل الأوروبي مع أزمة الهجرة، كما حدث مع أزمة الفوضى بداية «الربيع العربي» والأمن في الشرق الأوسط، خاصة في بلد مثل ليبيا له ساحل يقارب ألفي كيلومتر قبالة شواطئ أوروبا لا يبعد سوى بضع مئات من الأميال البحرية، يؤكد أن السياسيين في أوروبا لا يزالون في غفلة من أمرهم، ولا يحسنون سوى ترحيل الأزمة والهروب بها إلى الأمام دون معالجتها، حتى وإن تسببت لهم مستقبلاً في ضرر.

ولعل المعالجة «الوحشية» والحديث عن الخطط التي تضمن عمليات عسكرية في البحر لإغراق السفن التي تقل المهاجرين كحادثة السفينة المنكوبة قبالة سواحل اليونان، والتي لم تلق أي احتجاج أو تنديد دولي للعملية التي تعد همجية في التعامل مع «المهاجرين»، يُعدان كارثة في حد ذاتها لمجرد التفكير فيها.. فما بالك بالحديث عن شهادات ناجين من الغرق بأنها حدثت؟

أزمة الهجرة ليست صناعة ليبية ولا تونسية حتى تتحمل كلتا الدولتين مسؤولية حلها أو معالجتها في ظل السبات الأوروبي.

هؤلاء المهاجرون وجهتهم ليست ليبيا ولا حتى تونس، بل وجهتهم هي أوروبا وطموحهم، وما ليبيا وتونس إلا معبر لهم، ولهذا لن يرضوا بالتوطين في ليبيا ولا تونس، خاصة أنهما بلدان يعيشان الآن ظروفاً صعبة لا تختلف كثيراً عن بلدانهم التي جاؤوا منها جياعاً وحفاة وعراة، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء.

المعالجة الغربية لا تزال قاصرة عن حل أزمة المهاجرين، فهي لا تزال تراوح في إطار الحلول الأمنية والتهديد بإغراق السفن بدلاً من البحث عن حلول ناجعة مستدامة تضمن لهؤلاء الجياع الحفاة وطناً بديلاً آمناً ولقمة عيش كريمة دون إذلال أو غرق وموت بدم بارد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الهجرة ليست صناعة ليبية أو تونسية الهجرة ليست صناعة ليبية أو تونسية



GMT 20:59 2023 السبت ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

ليتك بقيت صامتا لكن أفضل !!

GMT 04:28 2023 السبت ,14 تشرين الأول / أكتوبر

الخطر والألق

GMT 04:25 2023 السبت ,14 تشرين الأول / أكتوبر

غزة وسيناريو الخروج من بيروت

GMT 04:23 2023 السبت ,14 تشرين الأول / أكتوبر

خنادق الخوف العالية

GMT 04:17 2023 السبت ,14 تشرين الأول / أكتوبر

أميركا... الأكلاف الداخلية للأزمة الشرق أوسطية

النجمات يتألقن بفساتين سهرة وردية في ختام أكتوبر الوردي

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 15:59 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن
  مصر اليوم - نجوى إبراهيم توجه انتقادات لاذعة للفنانات بسبب ملابسهن

GMT 08:07 2026 الأحد ,25 تشرين الأول / أكتوبر

موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ
  مصر اليوم - موضة السجاد المعاصر لتجديد أرضية منزلك بأسلوب راقٍ

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 23:07 2026 الثلاثاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو الثلاثاء 6 أكتوبر / تشرين الأول 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 10:12 2019 الأحد ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

شروط وأوراق الحجز في الإسكان الاجتماعي

GMT 15:37 2026 الجمعة ,03 إبريل / نيسان

مبيعات "تسلا" خلال الربع الأول أقل من التوقعات

GMT 07:30 2025 الأربعاء ,17 أيلول / سبتمبر

نظام macOS 16 يمنح حواسب آبل ميزات جديدة ومهمة

GMT 14:59 2021 الجمعة ,25 حزيران / يونيو

ضبط 1522 قضية تموينية متنوعة خلال 24 ساعة

GMT 15:09 2021 الأحد ,13 حزيران / يونيو

فوضى الألقاب تجتاح الوسط الفني في مصر
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt