توقيت القاهرة المحلي 08:27:10 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ماذا جرى للستر في عالم الفضح؟

  مصر اليوم -

ماذا جرى للستر في عالم الفضح

بقلم - مأمون فندي

ماذا جرى لمفهوم الستر في عالم الفضح و«السوشيال ميديا»؟ مفهوم الستر عند العرب هو مفهوم متعدد المعاني والدلالات، ففيه من معاني التغطية مقابل معاني الكشف والفضح، (يا صاحب السر منا لا تكشف الستر عنا). ومن معانيه الستارة والحجب، وفيه أيضاً من معاني السر مقابل الجهر، وهنا بُعد ديني يخص الجهر بالمعاصي أو البلوى، في سياق: «إذا بليتم فاستتروا»، ومع ذلك فليس كل الجهر معصية، فالجهر المحمود له مكانه: «وأما بنعمة ربك فحدث».
وللستر أبعاد ثقافية ودينية واجتماعية تكاد تكون كالبصلة، قشرة فوق قشرة، وطبقات بعضها فوق بعض. وظني أنه مفهوم فيه خصوصية عربية يندر وجودها في الثقافات الأخرى بالمعنى الواسع والشامل.
عالم «السوشيال ميديا» الجديد، وخصوصاً في ظاهرة «إنستغرام» و«سناب شات» و«تيك توك» و«يوتيوب» جعل من الفضح سلعة يمكن بيعها، ولها تسعيرة مادية، ومن هنا ننتقل إلى ثمن الفضح (monetised) الاجتماعي.
في هذا العالم الجديد، الإنسان هو من يفضح أحواله ولا يحتاج لمن يفضحه، ومع ذلك رغم ازدياد الفضح الشخصي فإن الفضح فيما هو عام في مجالات السياسة والاقتصاد يتناقص كثيراً، لدرجة أن التغطية الصحافية أصبحت حرفياً وسيلة تغطية لا وسيلة كشف.
في عالم تجاوز مفهوم الستر في الخاص أيضاً، حدث ما يمكن تسميته «تطبيع الفضيحة»، أي أن الفضيحة الشخصية لم تعد تلفت الأنظار، ولا بد من أن تصل لمستويات قصوى حتى تصل إلى مستوى «الترند»، كتقطيع جسد امرأة في العلن، مثلما حدث في فتاة المنصورة نيرة أشرف التي قطع زميلها رأسها أمام بوابة الجامعة، وكذلك مقتل فتاة أخرى (سلمى بهجت) الأسبوع الفائت في مدينة الزقازيق (محافظة الشرقية). فقط بالتطرف في القتل، والتفنن في لفت الأنظار، يمكن أن يكون الفضح متجاوزاً لما هو مطبع، ويمكن أن يصل إلى مستوى «الترند». فبدلاً من تسابق المجتمعات في البحث عن الستر، دخلنا مرحلة البحث عن الفضح. القتل في العلن وما دونه لا يلفت الأنظار. وفي كلتا الفضيحتين السابقتين (الجرائم) لا الصحافة قامت بالاستقصاء المطلوب، ولا البوليس والبحث الجنائي شرح الأسباب، ولم يكن هناك تدخل استباقي لمنع الجريمة. ومن هنا يمكن القول إنه حتى الأجهزة الأمنية تم تخدير عقلها، لترى أن القتل بهذه البشاعة أصبح طبيعياً ولا يحتاج إلى تفسير.
الستر في بعضه ما زال موجوداً فيما يمكن تسميته «الستر الانتقائي» في إطار: «اللي يحبك يبلع لك الزلط واللي يكرهك يتمنى لك الغلط»، أي أننا نفضح ما نريد ومن نريد، ونغطي من نريد وما نريد.
فكم ممن أجرموا يمشون في الأرض دونما أن يلفتوا نظرنا؛ لأننا قررنا جميعاً أننا تجاوزنا الحادثة، فقد يحاكم فرد ويخرج بعفو صحي، ثم يمارس حياته بكامل اللياقة، وقد نسي المجتمع الجريمة. وهذا النوع من المؤامرة الاجتماعية على الستر أو غض الطرْف، يتسيد المشهد في عالم «السوشيال ميديا» الجديد الذي يكون الفضح لا الصمت هو الأساس.
نظن أحياناً أن الغطاء في رمزية غطاء الرأس عند المرأة هو التيار الجارف، وأن الفضح ينحسر، ولكن من يراقب «السوشيال ميديا» يرى بوضوح أن الفضح والتغطية أو الستر يعملان معاً، وبالقوة ذاتها، كحالة طفلين ملتصقين. فقط نلاحظ ما هو مركز لاهتماماتنا؛ سواء أكانت التغطية أو الفضيحة.
موضوع الستر في عالم «السوشيال ميديا» بشقيه الخاص والعام، يحتاج إلى حوار في مجتمعاتنا من مداخل مختلفة: ثقافية، واجتماعية، وسياسية، وحتى دينية. نحتاج إلى حوار حول «تسليع» النفس، وحول «سوقية» العرض الكاذب الذي يقدمه البعض.
المشكلة هي ليست في الستر والفضح، ومَن ينتج هذا المحتوى السوقي، ولكن المشكلة أيضاً في المستهلك لهذا المحتوى. ونحن جميعاً مذنبون في الاستهلاك السيئ، ولولا وجود مستهلك للسلع السيئة لتوقف أصحابها عن إنتاجها.
الستر بالمعنى القديم والدلالات الأوسع تغيرت معانيه في هذا العالم الجديد، ونحن جميعاً مطالبون بالتأمل العميق، ومتابعة هذا التغير الذي يحدث للمفاهيم الأساسية لثقافتنا، حتى لا نجد أنفسنا نسبح في ماء تلوث كله، ونحن آخر من يعرف.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ماذا جرى للستر في عالم الفضح ماذا جرى للستر في عالم الفضح



GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

GMT 06:23 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

ماذا قال يمامة؟

نساء العائلة الملكية الأردنية يتألقنّ بإطلالات رمضانية وقورة

عمان ـ مصر اليوم

GMT 22:40 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الدلو الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:45 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحوت الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:29 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج السرطان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 22:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الحمل الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 17:04 2025 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

أفضل القائمة للحصول على إطلالة مميزة وأنيقة

GMT 07:09 2024 الأربعاء ,06 آذار/ مارس

كتاب جديد عن بايدن يعترف فيه بأنه يشعر بالتعب

GMT 11:28 2020 الثلاثاء ,08 كانون الأول / ديسمبر

قمة نارية بين برشلونة ويوفنتوس بـ دوري أبطال أوروبا

GMT 01:25 2025 الثلاثاء ,08 تموز / يوليو

ماسك يعلن دخول سيارة تسلا للعمل بلا سائق

GMT 10:13 2020 الخميس ,09 كانون الثاني / يناير

لا تتردّد في التعبير عن رأيك الصريح مهما يكن الثمن

GMT 18:23 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

جائزتان لفيلم "أميرة "في مهرجان فينيسيا الـ٧٨
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt