توقيت القاهرة المحلي 13:37:09 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حروب «ما وراء الطبيعة»

  مصر اليوم -

حروب «ما وراء الطبيعة»

بقلم : داليا شمس

هل سينتهى عصر التليفزيون التقليدى فى غضون عشرين عاما كما تنبأ، سنة 2014، ريد هاستينجز، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذى لمنصة البث الرقمى العملاقة «نتفليكس»؟ نشهد فى السنوات الأخيرة جدلا واسعا حول هذا الموضوع، بما أننا نمر بمرحلة انتقالية نتحول خلالها من نموذج بث موحد ومركزى إلى مرحلة البث التدفقى والمتعدد عبر الإنترنت، كما برزت منافسة حامية بين المنصات الإلكترونية وقنوات التليفزيون التقليدى. يتجدد الإحساس بالمنافسة فى كل مرة يتم بث مسلسل أو فيلم جديد حصريا على هذه المنصات العالمية أو المحلية، ويكون أحيانا من تمويلها، بما أنها اتجهت أخيرا إلى إنتاج محتويات أصلية لجذب المزيد من المشاهدين.
عندما احتدم النقاش مثلا فى الآونة الأخيرة حول مسلسل «ما وراء الطبيعة» الذى تذيعه شبكة «نتفليكس» والمقتبس من سلسلة روايات تحمل العنوان نفسه للكاتب المصرى أحمد خالد توفيق، شعر من ليس مشتركا فى هذه القنوات بشىء من الإقصاء، لا يمكنه المشاركة فى الجدل ولا اتخاذ موقف حاسم لأننا لم نعد نشاهد جميعا البرامج ذاتها كما فى السابق. لم يعد التليفزيون عنصر لُحمة وتواصل كما كان يؤكد المدافعون عنه فى خمسينيات وستينيات القرن الفائت باعتباره وسيلة للمشاركة فى فعل جمعى بحرية وبشكل فردى، بما أننا كنا نشاهد جميعا البرامج والأعمال الفنية فى المساء ونتحدث عنها سويا فى اليوم التالى. بدأت علامات الفرقة أو الانشقاق الاجتماعى تلوح من بعيد، فحتى الآن نسبة الذين يشاهدون التليفزيون التقليدى فى الشرق الأوسط تتراوح بين 85% و90%، مقارنة بنسبة الذين يشاهدون خدمات البث عبر الإنترنت والتى تصل إلى 25 أو 30%، لكن بالطبع ستتنامى هذه المعدلات مع الوقت فى ظل توفير محتوى باللغة العربية والميل إلى الرقابة والتقييد على القنوات التقليدية، بل وتسطيح المحتوى إلى حد كبير. ولكى يهرب الناس من قنوات عديدة مجانية، لكن بلا طعم، اتجه بعضهم إلى المنصات الإلكترونية، فى حين ظل البعض الآخر متعلقا بفكرة البحث عن «ما الذى يقدمه التليفزيون الليلة؟» بحكم العادة أو لضيق ذات اليد.
***
الأكثر مهنية بين القائمين على قنوات التليفزيون التقليدى عرفوا أبعاد الموقف وفهموا أن عليهم التأقلم مع العادات الجديدة للمستخدمين والتوافق مع القواعد التى فرضتها المنصات الإلكترونية العالمية منذ ظهورها عام 2005 ومواكبة «سوسيولوجيا» الإنترنت، وإلا ستكون النهاية. وبالتالى أخذوا فى تطوير أدواتهم وإنشاء مواقع ومنصات خاصة بهم لجذب المتلقين الأصغر سنا والتجاوب مع المستجدات التى فرضوها عليهم فرضا، وعلى هذا النحو صار فى مقدور هؤلاء أن يتابعوا البرامج فى وقت لاحق، فى غير ساعات البث المباشر، والتفاعل مع المحتوى أحيانا، إلى ما غير ذلك، بالإضافة إلى فكرة الدفع مقابل المشاهدة من خلال المنصات الرقمية وتقديم مواد حصرية للمشتركين. ينطبق هذا المثال على قنوات «أم بى سى» العربية التى أطلقت منصات «شاهد» بتنويعاتها ولجأت إلى خبرات دولية لإطلاقها، كما ظهرت منصة «ووتش إيت» فى مصر لأسباب مشابهة.
ثم جاءت أزمة فيروس كورونا لتسارع من وتيرة الأحداث، تطورت الأمور خلال عدة أشهر بعد أن كان من المتوقع أن تأخذ المسار نفسه لكن خلال مدة زمنية أطول. ارتفعت معدلات الاشتراك بمنصات البث عبر الإنترنت بشكل ملحوظ، حتى ردد المراقبون أنها المستفيد الأكبر من الظروف الطارئة التى ألحقت أضرارا اقتصادية بقطاعات مختلفة، لكن فكرة «الاشتراك» التى تقوم عليها المنصات أثبتت فاعليتها، خاصة وأن الناس كانوا بحاجة ماسة إلى الترفيه خلال أيام العزلة والتباعد الاجتماعى.
يرى البعض أيضا أن المنصات الرقمية لم تنجح فى قلب الصناعات الثقافية رأسا على عقب بسبب النموذج الاقتصادى المتبع فقط، لكن قبل كل شىء لأنها فهمت روح العصر واستطاعت أن تعيد ترتيب وتخيل المشهد على طريقتها خلال العشر سنوات الأخيرة، فى وقت يحتاج الإعلام ككل إلى إعادة النظر وكثير من الخيال. وبالفعل لم يعد التليفزيون التقليدى يحتكر السطوة الإعلانية، فكيانات مثل جوجل وأمازون ونتفليكس وآبل وفيسبوك هى التى تتحكم فى السوق حاليا، وستتحكم أكثر وأكثر لأن أرقام مبيعاتها واشتراكاتها حققت قفزة نوعية بسبب كورونا. على سبيل المثال «نتفليكس» التى سجلت 168 مليون مشترك فى 190 دولة مع نهاية 2019 (معظمهم من أوروبا وإفريقيا وآسيا)، بزيادة 20% عن العام السابق، وصلت إلى 183 مليون مشترك وفقا لإحصاءات شهر أبريل الماضى، أى خلال ثلاثة أشهر فقط من بداية 2020، وحققت حجم مبيعات يقدر بـ5.8 مليار دولار عن هذه الفترة. كذلك حققت شركة «سبوتيفاى» السويدية التى تقدم خدمة بث الموسيقى والبودكاست منذ 2006 أرقاما غير مسبوقة خلال الثلاثة أشهر الأولى من السنة، مسجلة 130 مليون مشترك، ليصل إجمالى عدد المشتركين فى خدماتها إلى 286 مليون شخص. تنطبق حالة الرواج هذه أيضا على «آمازون» و«ديزنى» وغيرهما من منصات البث عبر الإنترنت.
***
هذه التغييرات السريعة لا تجزم بالضرورة ورغم كل شىء بموت التليفزيون التقليدى، لكن بخروجه من شاشته، بإعادة تكيفه ليواكب تطورات العالم الرقمى، فليست الصحافة المكتوبة وحدها التى تواجه التحديات، بل الإعلام المسموع والمرئى أيضا، وتبقى كلمة السر فى جميع الحالات هى القدرة على إعادة الاختراع وإيجاد الحلول المبدعة من أجل الاستمرار، حتى لو تبع ذلك المزيد من التمايز والتفرقة بين أفراد المجتمع، ونحن نسير بالفعل فى هذا الاتجاه.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حروب «ما وراء الطبيعة» حروب «ما وراء الطبيعة»



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt