توقيت القاهرة المحلي 11:21:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

زهر البرتقال أو أبعد

  مصر اليوم -

زهر البرتقال أو أبعد

بقلم : داليا شمس

أرتجف كأوراق الشجر كلما لامس الهواء أغصانها. أتفهم أن الأشجار بحاجة إلى الريح لكى تخلصها من أوراقها الميتة، لكنها قد تطيح بزهرات البرتقال الصغيرة البيضاء التى انتظرتها منذ سنتين على الأقل، حين اشتريت هذه النبتة من معرض الربيع. وأخيرا أزهرت، بعد أن كدت أفقد الأمل، وتغلغلت رائحتها فى الهواء، قيل لى إنها ربما عفية أكثر من اللازم وتحتاج إلى وقت أطول لكى تنضج وتهدأ وتجد توازنا طبيعيا وتزهر، ومن بعدها تثمر، فكل الأشجار تحلم بالفاكهة. وبالفعل، الوقت كفيل بكل شيء.
أقترب من الشجرة أكثر فأميز أحد مكونات عطرى المفضل. يا ترى كم زهرة يحتاجون لكى يصنعوا العطر وماء الزهر؟ عملية التقطير التى اخترعها العرب بعد أن أدخلوا زراعة البرتقال والنارنج إلى الأندلس، وجلبوا أصناف الموالح من آسيا، تحتاج أيضا إلى صبر كبير. يتم قطف الزهر بلطف وفرده على البساط ليلا، وفى الصباح يبدأ التقطير: لكل طن من الزهر، نضع طنا من المياه ونتركها تغلى لأربع أو خمس ساعات، ونستخرج ماء الزهر من بخار الماء المتصاعد، أما الزيت الأساسى فيستخدم فى صنع العطور التى تساعد على الإحساس بالفرح وتخفيف الاكتئاب والنوم الهادئ. وعادةً يكون زهر النارنج أكبر حجما ورائحته فواحة، ألف كيلو جرام من الزهر للحصول على لتر واحد من الزيت العطرى المركز الذى يطلق عليه «نيرولى» على اسم أميرة إيطالية دأبت على استخدامه فى القرن السابع عشر الميلادى، بعدما انتشر فى أوروبا من خلال الأندلس.
***
حلم العرب بتحويل هذه الأخيرة إلى مركز عالمى لصناعة العطور وكانوا يتفاءلون بوجود أشجار الموالح فى باحة البيت، فقد صارت ثمرة البرتقال الحلو والمر رمزا لعالم جديد قائم على امتزاج الثقافات والأعراق. وحتى بعد سقوط مملكة غرناطة بحوالى قرن من الزمان ارتبطت شجرة البرتقال ببيوت الوجهاء والملوك فى أوروبا، وكأنها تحولت إلى شجرة الحكم مثلما حدث مع ملك فرنسا لويس الرابع عشر الذى خصص لها غرفة زجاجية ضخمة، ملحقة بقصر فرساى، لتدفئة النبات وحمايته من التقلبات الجوية.
أنظر إلى شجرتى الصغيرة على الشرفة، بعد أن سرحت بخيالى بعيدا، وأتمنى أن تصبح بعد فترة مثقلة بالثمار الصفر الناضجة، وأحلم أن تكبر حتى تلمس أغصانها وجه السماء. أتخيل نفسى أعيش فى بيت وسط بستان، فإذا بى أستيقظ من أحلامى على صوت فأس وهى تهوى برتابة على جذع شجرة أسفل منزلى. معتوه، متوحش، غاضب، ضايقته الشجرة وخضارها فصمم على الخلاص منها، ودفع بمعتوه آخر لكى يضرب بحقد جذع الشجرة وأغصانها.
جبهة الفأس صارت بالنسبة لى ملطخة بدماء الأشجار، والأوراق مبعثرة على الأرض، والصرخات بالشارع كأنها بكاء الشجرة التى ستهلك بعد قليل. لا أعرف ما الذى دهى هذه المدينة وجرى للناس فيها؟! ففى كل حى هناك مذبحة للأشجار، كافور، بونسيانا، وغيرهما من الأنواع. أشجار صادقت سكان الأحياء منذ طفولتهم وصباهم، بل غالباً سبق وجودها وجودهم بكثير. تزداد جمالاً أحياناً ويبدو اخضرارها مبهجاً، ثم فجأة ينهى حياتها فأس المعاتيه غير آبهٍ بتوسلات المحيطين وصيحاتهم.
***
نشعر أننا مع الوقت نفقد حياتنا السابقة وطفولتنا شيئاً فشيئاً، وأنه مع الوقت لن تعرف الأجيال الأصغر سناً معنى كلمة «أزهار»، فهم لم يكبروا على رائحتها الفواحة التى تتسلل إلى غرف نومهم، بل عاشوا فى مدينة أخرى. مدينة تتحول إلى غابة واسعة مزروعة بالأسمنت والألوان الرمادية والبنية.. مدينة تستحق الرثاء كما تستحقه الأشجار، فنحن لا نملك من الصبر والكياسة ما يسمح للشجر أن يعيش ويثمر، لا نترك فرصة لزهر البرتقال أو غيره.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

زهر البرتقال أو أبعد زهر البرتقال أو أبعد



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt