توقيت القاهرة المحلي 13:57:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من يحاسب من؟!

  مصر اليوم -

من يحاسب من

بقلم:منار الشوربجي

من يتابع أداء المؤسسات السياسية الأمريكية عن كثب مثلى يدرك حجم الأزمة وعمقها. ففى إدارة ترامب، انهار فصل السلطات، ومعه الأعراف والتقاليد التى طالما حكمت العلاقة بين مؤسسات الحكم، وباتت الإدارة تستخدم علنا تكتيكات عرفت بها النظم الشمولية لا أقل، ولم يعد هناك محاولة حتى للتظاهر بالحد أدنى من احترام حريات المواطنين أو الدستور الأمريكى نفسه!

فالمؤسسات السياسية، لا الانتخابات، هى جوهر العملية الديمقراطية بأمريكا لأن الانتخابات هناك تضع قيودا حقيقية على الإرادة الشعبية ليس أقلها اختيار الرئيس عبر الانتخاب غير المباشر. ورغم أن تقويض المؤسسات ليس وليد إدارة ترامب وإنما يتراكم منذ عقود، فإن ما يحدث اليوم غير مسبوق فى التاريخ المعاصر على الأقل. والمؤسسات ليست مجرد هياكل وإجراءات وإنما أيضا أعراف وتقاليد ذات مدلول سياسى. وهى التى تعيد إنتاج المعنى وتحفظ الذاكرة المؤسسية. والجلسة التى انعقدت بمجلس النواب مؤخرا لمساءلة وزيرة العدل، بام بوندى، كانت آخر تجليات ما آلت إليه المؤسسات السياسية.

فمن اعتاد على متابعة جلسات الاستماع بالكونجرس يعرف أن مسؤولى المؤسسة التنفيذية عادة ما يُبدون فيها بالغ الاحترام للأعضاء ويسعون، أو يتظاهرون بالسعى، للإجابة عن كل أسئلتهم. فالأعضاء هم من يوافقون على تمويل الوزارات أو يرفضونه، وبإمكانهم إغراق المسؤول التنفيذى وسط شلال من الاستدعاءات والتحقيقات التى تستنزفه. أما بوندى، وغيرها من مسؤولى الإدارة، فلا يخفون مقتهم للمؤسسة التشريعية ذاتها بل ويؤلبون أعضاء حزب الرئيس علنا على زملائهم الديمقراطيين! والوزيرة، بدلا من الإجابة عن الأسئلة، راحت تشن هجومًا شخصيًا على النواب واضح أنها استعدت له قبل الجلسة! فعلى سبيل المثال، بدلا من أن تجيب على سؤال للنائبة الديمقراطية بيكا بالانت عن السبب وراء امتناع الوزارة عن التحقيق مع وزير التجارة هوارد لاتنيك بعدما افتضح كذبه بخصوص علاقته بأبستين، لم تجب الوزيرة وإنما راحت تهاجم النائبة وسجلها السياسى. ولأن لاتنيك يهودى، أضافت الوزيرة «وأود أن يُسجّل بمضبطة الجلسة أنه فى ظل ثقافة معاداة السامية الحالية، عارضت (النائبة) مشروع قرار يدين استخدام شعار »من البحر للنهر «المعادى للسامية»! والواضح أن مساعدى الوزيرة الذين أعدوا لها ما تهاجم به النائبة أخطروها بأن بالانت كتبت مقالًا اتهمت فيه إسرائيل «بالإبادة الجماعية» فى غزة. لكن المفارقة أنهم لم ينتبهوا إلى أن النائبة يهودية هى الأخرى، بل مات جدها فى إحدى معسكرات النازى! وهو ما دفع النائبة للانسحاب من الجلسة رافضة سلوك الوزيرة!

أما النائبة التقدمية براميلا جيابال، التى طلبت من الوزيرة الاعتذار لضحايا أبستين الذين كانوا فى القاعة لأن وزارتها كشفت عن أسمائهم وبياناتهم بينما حجبت أسماء المتورطين، فقوبلت بامتناع الوزيرة عن الاعتذار وراحت تستخدم التكتيك الشمولى ذاته فشنت هجومًا شخصيًا على النائبة.

لكن كاميرات الصحافة التقطت وقتها اسم جيابال على ملف كان أمام الوزيرة مكتوب عليه «سجل بحث النائبة جيابال»، فتبين لاحقا أن وزارة العدل كانت تراقب ما فعله كل نائب ممن اطلعوا بمقر الوزارة على وثائق أبستين الأصلية- قبل حجب الأسماء- واحتفظت بسجل المراقبة كان أمام الوزيرة ويحتوى على كل ملف فتحه النائب على كمبيوتر الوزارة وعدد الملفات التى قرأها! وهو تكتيك شمولى آخر لم يمارس ضد مواطنين عاديين وإنما ضد النواب المنوط بهم دستوريًا الرقابة على المؤسسة التنفيذية.

السؤال هل بإمكان أمريكا بعد ترامب أن تعيد بناء ما تهدم؟ أم أن تصدع البنيان صار شرخا عميقًا يصعب رأبه؟ وهو سؤال يحتاج لمساحة منفصلة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من يحاسب من من يحاسب من



GMT 07:08 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

سرُّ السَّعادة

GMT 07:05 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

الخُميني وجهيمان ومُظفّر ونزار

GMT 07:03 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

مشيتُ في جنازة دولةٍ عظمى!

GMT 07:01 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

نذر تقلص وقود المواصلات

GMT 07:00 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

أميركا وأوروبا... شراكة القلق

GMT 06:58 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان ضحية عدوانٍ مزدوج

GMT 06:56 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

إعادة النظر في السردية الاقتصادية لأفريقي

GMT 06:54 2026 الثلاثاء ,31 آذار/ مارس

لبنان فضاء الحياة والإبداع لا الحروب

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 08:49 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

سيطر اليوم على انفعالاتك وتعاون مع شريك حياتك بهدوء

GMT 12:17 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

غوارديولا يؤكّد أن محمد صلاح ينتظره مستقبل كبير

GMT 11:15 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الدلو السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt