بقلم:منار الشوربجي
بيع النفط الفنزويلى «الخاضع للعقوبات» هو الخديعة الكبرى التى تستهدف الرأى العام الأمريكى. فهى المسكن المؤقت لحين انصراف الأمريكيين لموضوعات أخرى. فوزير الدفاع عنّف الصحفيين حين سألوا عن الأموال التى سيتحملها الأمريكيون، وكذلك فعل غيره من المسؤولين، مؤكدًا أن نفط فنزويلا سيدفع التكاليف، تمامًا كما قيل عن نفط العراق فى ٢٠٠٣! وترامب قال إنه اتصل بشركات النفط الأمريكية قبل الغزو لتعود لفنزويلا فتعيد تشييد بنية إنتاج النفط المنهارة ليبدأ ضخ البترول ويعود بالرخاء على أمريكا وفنزويلا. ونحن فى حاجة لخبير بترول ليخبرنا كم يستغرق من الوقت والمال تشييد البنية التحتية تلك، وهل تكون شركات النفط مستعدة يا ترى لاستثمار بهذا الحجم فى بلد لا يُعرف بالضبط مدى استقراره فى الأمد المنظور؟
والحقيقة أن تلك ليست الخدعة الوحيدة. فالإدارة استعدت بحزمة ذرائع متناقضة لأن كلًا منها له جمهور مستهدف يختلف عن غيره. فحكاية النفط الذى تستولى عليه أمريكا تستهدف المواطن الأمريكى الذى يعانى اقتصاديًا. ولجمهور ترامب الانتخابى تحديدًا، يصاغ نهب ثروات فنزويلا بمنطق «الضحية». ففنزويلا، فى هذا الخطاب، فى الصميم من مبدأ «أمريكا أولًا»، لا مثل مغامرات «بناء الدول» فى الشرق الأوسط. فهدفها إثراء الأمريكيين عبر السيطرة على النفط «الذى سرقته فنزويلا منا»، أى حين أممته فنزويلا لصالح شعبها! الطريف أن ترامب استخدم بنفسه تعبير «بناء الدولة» بفنزويلا، وأضاف أن«الحكومة الأمريكية» ستدفع تكلفة البنية التحتية لشركات النفط، وأنه سيتولى بنفسه بيع «براميل» النفط الفنزويلى!
أما الذريعة التى جمهورها المستهدف هو الكونجرس فهى أن تلك العملية كانت عملية «أمنية». فمادورو، وفق هذه السردية، يترأس «كارتل الشمس» لتجارة المخدرات ومسؤول عن إغراق أمريكا بالمخدرات وضالع فى جرائم عصابة «قطار أراجوا» الإجرامية. ومن هنا، لم يكن الهجوم عملًا عسكريًا وإنما عملية «أمنية بمساعدة عسكرية»، وبالتالى ليست من العمليات التى تستوجب دستوريًا موافقة الكونجرس. ومادورو «مجرم جنائى» سيخضع للمحاكمة! والهجوم كان لحماية «الأمن الأمريكى»، كأحد أشكال ممارسة السيادة! لكن الوثائق الأمريكية نفسها تثبت أن «كارتل الشمس» لم يعد موجودًا أصلًا. والأسوأ أن هذا الكارتل كان فى الأصل صنيعة المخابرات المركزية الأمريكية التى نسقت فى التسعينيات مع ضابط فنزويلى كبير لتمرير ٢٢ طنًا من الكوكايين للمدن الأمريكية ثم قضت على الكارتل بعد انتهاء العملية! أما عصابة «قطار أراجوا»، فتؤكد أجهزة الاستخبارات الأمريكية أن بينها وبين مادورو عداءً شديدًا. ثم إن وثائق مكتب المخدرات الأمريكى تؤكد أن فنزويلا لا توجد بها زراعة للمخدرات ولا هى حتى ممر لتجارتها. فزراعتها أغلبها بكولومبيا وتمر عبر المكسيك وأوروجواى ودول أخرى!أما باقى دول العالم، فالخطاب الموجه لها هو خطاب الفتوة الإمبراطورى الذى لا يخشى أحدا ولا يملك أحد ردعه. فمساعد ترامب لشؤون الشر ستيفن ميللر قال إن أمريكا «قوة عظمى وستتصرف كقوة عظمى» دون الاعتذار لأحد، مضيفًا أنها لن تسمح لدولة «فى حديقتنا الخلفية بأن تمد خصومنا بالموارد ولا تمدنا بها وأن تحصل على سلاح منهم»! وهو ما كرره مندوب أمريكا أمام مجلس الأمن الدولى بقوله إنه «لا يجوز أن يظل الاحتياطى الأكبر للطاقة بالعالم تحت سيطرة خصوم الولايات المتحدة»! والقاصى والدانى يعرف أن الخصم المقصود هو الصين.
والعلاقة بين الصمت الدولى المدوى على إبادة غزة وما يحدث بفنزويلا وثيقة للغاية وهو ما يحتاج لشرح مفصل. فالعالم الذى صمت إزاء الإبادة ليس بمقدوره مواجهة جرائم أقل وطأة.. وهو ما يسمح بتهديد كوبا وكولومبيا والمكسيك وجرينلاند... والبقية تأتى!