توقيت القاهرة المحلي 02:47:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

  مصر اليوم -

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة

بقلم : زاهي حواس

في يوم 26 يونيو (حزيران) عام 1954، كان الصحافيون ومراسلو وكالات الأنباء العالمية محتشدين، أو بمعنى أدق: مكتظين، في حجرة دفن الملك سخم خت (2648 – 2640 قبل الميلاد) أسفل هرمه بمنطقة سقارة، بالقرب من الهرم المدرج الشهير للملك زوسر مؤسس الأسرة الثالثة.

الجو خانق شديد الرطوبة، وكشافات الإضاءة التي يستخدمونها في ذلك الوقت لإدارة كاميراتهم الضخمة كانت تصدر لهيباً من النيران داخل الجو الخانق، والجميع يهتف ويزاحم محاولاً إزاحة من حوله من زملاء المهنة بمعداتهم، ليظفر بزاوية رؤية أفضل، لتسجيل الحدث الخطير المهم، والذي من أجله تحمَّلوا عناء القدوم من بلادهم خصيصاً في ذلك الصيف الخانق. نترك المشهد داخل حجرة دفن الملك سخم خت، ونعود بالزمن أسابيع قليلة، وتحديداً في بداية شهر مايو (أيار) من العام نفسه (1954) عندما استطاع أخيراً عالم الآثار المصري زكريا غنيم تنظيف الممر المؤدي إلى حجرة الدفن الملكية أسفل الهرم الذي اكتشفه منذ سنوات قليلة، ولم يكن أحد يعرف بوجوده من قبل، نظراً لكونه مهدماً إلى حد بعيد، وكان مدفوناً بالكامل أسفل رمال سقارة.

كانت لحظة الدخول إلى حجرة الدفن من اللحظات الحرجة في حياة زكريا غنيم الذي كان قلبه يخفق بشدة، وهو يسأل نفسه: هل بعد كل هذا العناء سنظفر بكشف مهم؟ أم أن كل شيء تمت سرقته أو تدميره في الماضي على يد لصوص المقابر؟ وأخيراً كان زكريا غنيم وعدد قليل من مساعديه داخل حجرة الدفن، ومساحتها 9 أمتار طولاً، و5 أمتار عرضاً، وارتفاع السقف نحو 5 أمتار. الحجرة منحوتة بالكامل في الصخر الطبيعي، وكانت تبدو فارغة ما عدا تابوت من المرمر المصري الجميل في منتصف أرضية الحجرة.

والمفاجأة التي كان زكريا غنيم يظنها سعيدة، وكاد قلبه يرقص فرحاً بها، أنه رأى طبقة من الملاط الأبيض تغلق ما بين غطاء التابوت الجانبي (في حالة تابوت سخم خت فهو باب) والصندوق الذي كان يعلوه إكليل من الورود والزهور والنباتات، ويعرف باسم «البوكيه» الجنائزي. كل شيء يؤكد أن التابوت مغلق، وأن مومياء صاحبه بداخله!

هنا سرح زكريا غنيم بخياله، وتخيل ما سوف يُحدثه هذا الكشف من ضجة عالمية: «الكشف عن أقدم مومياء ملكية في مصر عمرها 4600 سنة!». تخيل زكريا غنيم نفسه وقد أصبح أشهر عالم آثار في العالم، واسمه بجوار أسماء المكتشفين العظام، مثل: هيوارد كارتر مكتشف مقبرة توت عنخ أمون، وبيير مونتيه مكتشف كنوز تانيس الملكية.

لم يُضِع زكريا غنيم الوقت، وتحدث إلى قيادات مجلس الثورة، وعلى رأسهم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر، وبدلاً من التخطيط لإعلان الكشف في موسم الشتاء القادم مثلماً يفعل معظم الأثريين، لم يصبر غنيم، وقام بدعوة العالم كله للحضور إلى سقارة لحضور لحظة الكشف عن التابوت.

وبدأ الصحافيون والمراسلون والقنوات التلفزيونية وقنوات الراديو العالمية يفدون إلى مصر، ويعدُّون أنفسهم لليوم المشهود، يوم فتح التابوت.

نعود الآن للمشهد الأول: مئات من البشر مع أجهزتهم «محشورون» في الحجرة الضيقة لا يكادون يرون شيئاً من كثرة العرق المتصبب، والمكتشف زكريا غنيم وعماله يحاولون إيجاد مساحة لأنفسهم، لفتح الغطاء أو الباب الجانبي للتابوت الذي يفتح إلى أعلى من خلال مجرى في صندوق التابوت.

وأخيراً، يتم رفع الغطاء، ويصمت الجميع، وعيونهم شاخصة تنظر إلى داخل الصندوق: لا شيء! ليس هناك شيء! لا توجد مومياء! التابوت فارغ تماماً! هكذا بدأت همهمات الموجودين في الحجرة الضيقة، وهكذا بدأ الضحك يختلط بالحزن والبكاء.

كان هذا اليوم هو أسوأ كابوس عاشه زكريا غنيم الذي فقد حياته بعد بضع سنوات منتحراً في النيل، وتلك قصة أخرى نرويها فيما بعد.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

كشف أثري تحوَّل إلى كارثة كشف أثري تحوَّل إلى كارثة



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt