توقيت القاهرة المحلي 23:32:18 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الخرطوم بين العودة والانتظار!

  مصر اليوم -

الخرطوم بين العودة والانتظار

بقلم: عثمان ميرغني

إعلان عودة الحكومة السودانية إلى مزاولة أعمالها من الخرطوم، إيذان بدخول البلاد مرحلة جديدة من التعافي. فهذه الخطوة لا يمكن التعامل معها بوصفها إجراء رمزياً، بل تمثل نقلة حقيقية في مسار استعادة الحياة إلى قلب السودان.

بعد اندلاع الحرب، تحولت الخرطوم إلى ساحة دمار مفتوح، انهارت فيها المؤسسات، وتوقفت عجلة الاقتصاد، ونزح ملايين السكان. لكن السؤال الذي يبرز اليوم: إلى متى يختار الناس البقاء في مناطق النزوح واللجوء، بدل العودة إلى بيوتهم والمساهمة في إعادة إعمار بلدهم؟

عودة الحكومة إلى الخرطوم تحمل رسالة لا لبس فيها: العاصمة تعود، وتنتظر العائدين. فالمدن لا تُعمر من دون جهد أهلها، بل بوجود السكان، وتعمير البيوت والأحياء، وعودة الموظفين والمدارس والجامعات، ودوران الأسواق، واستعادة نبض الحياة اليومية.

الخرطوم ليست مدينة لا أمل للحياة فيها، بل كانت القلب الاقتصادي للسودان. أكثر من 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي كان يُنتج فيها، ومنها تُدار البنوك والمصارف، وتوجد الشركات الكبرى، والمصانع، والأنشطة التجارية، والخدمية. وهي البوابة الرئيسية للبلاد عبر مطارها وشبكة طرقها وسككها الحديدية. شلل الخرطوم يعني عملياً تعطيل السودان كله.

منذ أشهر تنتشر مقاطع فيديو تُظهر عودة الأسواق للعمل، وحركة المواصلات، ونداءات التجار للمواطنين بالعودة. هذه المشاهد ليست دعاية رسمية، بل تعبير صادق عن حقيقة بسيطة: الاقتصاد لا يتعافى بالانتظار، بل بالناس وعودتهم واستئنافهم لدورة الحياة في عاصمتهم.

وهنا يصبح السؤال أكثر مباشرة: ماذا تعني عودة الناس لديارهم؟

تعني أمناً أكثر، لأن الأحياء المأهولة أقل عرضة للجريمة. تعني اقتصاداً يتحرك بدل اقتصاد مشلول يعتمد على التحويلات والمساعدات. تعني أن الأموال التي تُهدر في الإيجارات الباهظة في المهاجر، وتُدفع لمعيشة بالعملات الصعبة، يمكن أن تُنفق داخل البلاد فتنعش الأسواق وتخلق فرص عمل. وتعني أيضاً تخفيف العبء الهائل عن المغتربين السودانيين الذين تحملوا، منذ اندلاع الحرب، مسؤولية إعالة أسر كاملة ممتدة، في معركة بقاء طويلة ومكلفة نفسياً ومادياً.

نعم، يمكن تفهم بقاء من تفرض عليهم ظروف العمل أو الدراسة أو العلاج ذلك، لكن من الصعب تبرير بقاء من لا عمل لهم، ولا استقرار، ويعيشون أوضاعاً معيشية قاسية في المنافي، ورغم ذلك يفضلون الانتظار على العودة. انتظار ماذا؟ معونات خارجية؟ إعادة إعمار تُدار من الخارج؟ هذا وهم كبير. لا توجد جهة مانحة ستأتي لتعيد بناء البيوت وتنظيفها وتجهيزها ثم تقول لأصحابها تفضلوا. إعادة الإعمار تبدأ عندما يعود أصحاب الأرض والديار إليها.

كما أن الاستمرار في الاعتماد على كرم الدول المضيفة خيار غير حكيم. هذه الدول فتحت أبوابها بدافع إنساني مقدر ومشكور، لكنها لم تفعل ذلك لتتحمل عبئاً دائماً، ولا لتكون أوطاناً بديلة.

الرسالة الأكثر قسوة هي ما نقرأه عن وفيات أعداد متزايدة من السودانيين في مناطق اللجوء، وعن شراء أراضٍ لمقابرهم في الغربة. هذه ليست تفاصيل هامشية، بل جرس إنذار لضريبة حياة المنافي.

الخرطوم تعود، ببطء نعم، وبصعوبة مؤكدة، لكنها تعود. والدولة تبذل جهداً كبيراً في استعادة الأمن، والخدمات، والكهرباء، والمستشفيات، والمدارس. والعودة، مهما كانت شاقة، تظل أكرم من حياة انتظار بلا أفق.

وكانت منظمة الهجرة الدولية قد أكدت، الشهر الماضي، ارتفاع أعداد العائدين من اللاجئين والنازحين إلى أكثر من 3 ملايين شخص، منهم نحو مليون شخص عادوا إلى الخرطوم. وأوردت أن 68 في المائة من العائدين استقروا في مساكنهم الأصلية التي لم تتضرر، بينما عاد 21 في المائة إلى منازل تضررت جزئياً.

في لحظات كهذه، لا يكفي اختلاق الأعذار. ومن يملك القدرة على العودة، ثم يختار البقاء في العجز والانتظار، يطيل أمد الأزمة، ويثقل كاهل من ضحوا بما يكفي، ويخذل وطناً ينتظر أن يعمره أهله.

الخرطوم لا تعود بالحنين وحده. تعود بالفعل اليومي، وبالناس الذين يقررون أن ينهوا زمن التردد. العودة ليست إنكاراً للصعوبات، ولا تقليلاً من حجم المعاناة، لكنها اعتراف بحقيقة بسيطة: لا أحد سيعيد بناء البيوت غير أصحابها، ولا أحد سيحيي المدن نيابة عن أهلها. الانتظار في المهاجر، خصوصاً لمن لا يملكون عملاً أو استقراراً، ليس خياراً أكثر أماناً، بل شكل آخر من أشكال الخسارة المتدرجة، حيث تُستنزف المدخرات، وتتآكل الكرامة.

الخرطوم اليوم ليست المدينة التي كانت في ذروة الحرب، لكنها أيضاً ليست مدينة مكتملة التعافي. هي مدينة في منتصف الطريق، وهذا هو بالضبط الوقت الذي تحتاج فيه إلى أهلها. فالتعافي لا يبدأ بعد اكتمال الخدمات، بل يبدأ ليكتمل بها. الأمن يتحسن بالناس، والاقتصاد ينتعش بالحركة، والدولة تستعيد هيبتها حين تعود الحياة إلى شوارعها ومؤسساتها.

ومن يملك القدرة على العودة، ثم يختار البقاء في الانتظار، لا يحقق سوى تأجيل لحظة التعافي للجميع.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الخرطوم بين العودة والانتظار الخرطوم بين العودة والانتظار



GMT 22:04 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

لبنان المخاوف… والخوف الكبير

GMT 22:03 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

انقلاب السحر على الساحر في إيران!

GMT 22:02 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

بحثا عن أفق سياسي بين سوريا وإسرائيل…

GMT 21:57 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

إذا اعتمدنا على أخلاق ترامب

GMT 21:54 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

أول يوم مجلس نواب

GMT 21:47 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

DNA الكرة المصرية!

GMT 21:45 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

اللاعب رقم (13) فى السنغال

GMT 09:48 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

قوة اسرائيلية فجرت منزلا ببلدة كفركلا في جنوب لبنان

إطلالات سميرة سعيد تعكس ذوقاً متجدداً يتجاوز عامل العمر

القاهرة - مصر اليوم

GMT 22:16 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية
  مصر اليوم - نقص الزنك يزيد خطر الإصابة بالتهابات المسالك البولية

GMT 19:41 2026 الخميس ,15 كانون الثاني / يناير

ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس
  مصر اليوم - ترامب يهدد بتفعيل قانون التمرد لقمع احتجاجات مينيابوليس

GMT 16:01 2025 السبت ,26 تموز / يوليو

زياد الرحباني نغمة معترضة على سلّم النظام

GMT 02:51 2025 الإثنين ,07 تموز / يوليو

نصائح لتصميم مطبخ مشرق وواسع الإحساس

GMT 09:09 2020 الإثنين ,16 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الإثنين 16 تشرين الثاني/نوفمبر 2020

GMT 06:42 2020 الإثنين ,05 تشرين الأول / أكتوبر

أول رد فعل من مرتضى منصور على قرار اللجنة الاوليمبية

GMT 10:31 2020 الأربعاء ,01 كانون الثاني / يناير

تعداد سكان مصر يسجل 99810019 نسمة في الدقائق الأولى من 2020

GMT 12:49 2019 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

عمرو زكي يطمئن جمهوره بعد تعرّضه لحادث سير

GMT 23:10 2018 الأربعاء ,12 كانون الأول / ديسمبر

عمرو سعد يسافر إلي لبنان من أجل تصوير "حملة فرعون"

GMT 10:01 2018 الثلاثاء ,27 تشرين الثاني / نوفمبر

مي عبد اللاه تؤكّد أن أدب الرعب يُمكن أن يؤثّر على الشخص

GMT 20:23 2018 الأحد ,04 تشرين الثاني / نوفمبر

تضارب الأنباء حول طلاق جورج كلوني وأمل علم الدين

GMT 06:57 2018 الإثنين ,29 تشرين الأول / أكتوبر

محكمة جنايات القاهرة تستدعي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك

GMT 23:39 2018 الأحد ,14 تشرين الأول / أكتوبر

تعرفي على ألوان مكياج العيون الرائجة في الخريف والشتاء

GMT 02:41 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

هبة قطب تكشف علاقة نوع الغذاء بالشهوة الجنسية
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt