توقيت القاهرة المحلي 11:21:33 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عادات وممارسات عفا عليها زمنى

  مصر اليوم -

عادات وممارسات عفا عليها زمنى

بقلم: جميل مطر

مثل كثيرين أحن إلى بعض، وليس كل، الماضى. أخشى إن تمنيت عودتى إليه وتحقق التمنى أن أجد فيه تفاصيل لم أحبها. أخشى أيضا أن أعود وأنا فى هذا العمر وهذا الحجم وهذا الشكل فينفر من لقائى أصحاب وصاحبات الزمن الذى عدت إليه. أو أعود فلا أجد شجرة الجميز التى غفوت كثيرا من «قيلولاتى» فى ظلها، ولا أجد على حافة النهر النخلتين اللتين شدنى إليهما عناقهما الصريح والمكشوف، ولا أجد الشاب بائع المثلجات ليحمل لى النبأ السعيد «لقد غيروا العسكرى الذى كان يزعج عشاق وعاشقات النخلتين المنحنتين قليلا فى خشوع وجمال». سعيد الصبى البائع بغياب السلطة الجائرة وعودة الخشوع والهدوء الممتع والعشاق إلى المكان.

• • •

إن تقررت عودتى فلتكن للحظات، أسمع فى لحظة منها صوتا صادرا عن نفير كنفير اليهود. نعرف على الفور أنه الإعلان بوصول السفيرة عزيزة إلى حينا. آخذ «المعلوم» من أمى وأسلمه إلى صاحب السفيرة. يجلسنا على «دكة». وبلهفة ندخل رءوسنا فى نفق مظلم لرؤية فيلم قصير، يتلوه إصرارنا على رؤية فيلم آخر فيستجيب الرجل ولكن بعد أن يلقى عليه «معلوما» آخر من أمى التى لم تغادر موقعها فى الشرفة تراقب وتنصح وتحذر.

• • •

فى لحظة أخرى من لحظات عودتى إلى الماضى أرى نفسى ممسكا بيد أمى، يد أتذكرها ناعمة ولكن حازمة، ونحن فى الطريق لاحتفال «سبوع» طفل جديد فى العائلة الممتدة. كنت شاهدا على استلام أم الرضيع جنيها ذهبيا وعلى احتفال يتميز بالضجة الهائلة، علمت فى حينها أن الضجة كانت متعمدة «لدفع» المولود للصراخ دليلا على سلامة سمعه بل وكل حواسه. لن أنسى الصوت المزعج الصادر عن «الهون»، الصوت مألوف فى كل منازلنا العتيقة ولعله ما زال مألوفا ولكنه فى حفل «السبوع» صارخ وغير محتمل. لن أنسى أيضا الرضيع المسكين راقدا فوق «منخل» يدورون به فى صالة الحفل لتوزيع أكياس «البونبون» والمكسرات على الضيوف الكرام.

• • •

لعلى كنت أمر بمرحلة زمنية مختلفة لأتذكر صوتا لم أسمع نظيرا له فى جماله وعذوبته، صاحبه بائع الفول الأخضر. أتذكر أهل الحى وهم يطلون عليه من شرفات منازلهم معجبين بالصوت وممسكين بسلال فارغة إلا من ثمن رطلين من الفول الأخضر. يستقبل البائع السلال يأخذ منها النقود ويضع فيها مقابلها من الفول، ومن سلة إلى أخرى وحنجرة فى الشارع لا تتوقف عن التغنى ببدائع هذا الفول. بالفعل كان الفول بديعا وهذا هو رأى من يفهم، وهو أمى التى تكون قد استعدت له بصوانى الخبز البلدى والجبنة «الاستامبولى» الغاطسة فى كثير من قطع الطماطم الطازجة.

أتذكرهم، أهل بيتى، وقد اجتمعوا حول الفول الأخضر ينصتون لصوت آخر لا يقل روعة قادم من أعلى دولاب الملابس حيث يرقد تحت غطاء الدانتيلا الفاخر الراديو الكبير بعيدا عن أيدى العابثين من الصغار والكبار على حد سواء، إنها ليلة الخميس الأول من الشهر عندما تغنى أم كلثوم. لست مبالغا عندما أقرر أن الفول الأخضر ارتبط فى مخيلتى حتى يومنا هذا بالصوت البديع والفن الراقى.

• • •

دخل التليفون بيتنا تحت إلحاح شقيقتى الأكبر. كانت الشقيقة كثيرة السفر مع زوجها وابنتيها تارة فى بغداد وتارة أخرى فى عمان، كما أن الشقيق الأكبر كان قد التحق بالبحرية فتعددت مصادر الإلحاح. أتذكره، أقصد التليفون، فى مكانه قرب مدخل الشقة ثابتا لا يتحرك إلى أبعد من خطوة أو خطوتين. كانت حركته مقيدة بفعل فاعل وهو السلك، ولم نتنبه إلى أهمية أن يتحرك لمسافات أبعد إلا بعد فترة ساد فيها الحرج، ففى البيت مراهق فى الثانوية ثم فى الجامعة ومعظم اتصالاته كانت تجرى بالهمس المحرج لجميع الأطراف. بمناسبة الحديث بالهمس أعترف بأننى تعلمت درسا رائعا فى فنون الصمت إذ أقدمت ما لم أعرفها من تنهيداتها على إقامة علاقة عاطفية بالصمت، علاقة كادت تفضى إلى ما هو أعمق وأبعد. رائع هذا الصمت إذا أحسن استغلاله.

أتذكر أنهم قرروا إطالة السلك، فتحولت مشكلة الهمس إلى مشكلة البحث عن  جهاز التليفون فى شتى أرجاء البيت، وأحيانا نجده عند الجيران وكانوا من أهل المنصورة. كانوا أحسن ناس، بالفعل أفضل من كثيرين عرفتهم هنا كما فى بلاد الشرق والغرب، خلال أزمنة حياتى المتباينة.

• • •

كتبت كثيرا آسفا عن توقفنا أفرادا وشعبا وحكومة عن الاحتفال بعيد وفاء النيل. اسألوا أبناء وبنات جيلى والأجيال السابقة عما تحمله ذاكراتهم لهذا اليوم الرائع. رأيت الناس فى الهند يعبدون النهر ويقدمون له الأضاحى ويستحمون فى مياهه يوم عيده، يوم تزدان المدن بالألوان المبهجة وتردد مع مكبرات الصوت أحلى الأغاني، أغانى التقديس أو أغانى الحب. يعترفون بجميله ويدعون له بالصحة وطول العمر، فالعمر عندهم مرتبط بهذا النهر الأعظم، وبفضله يفخرون وعلى كرمه يعيشون.

لم أدع ولن أدعو إلى تقديس نهرنا. كنت، من فرط اعتزازى بما أعطاه ويعطيه لنا، مشاركا أمينا فى كثير من مظاهر الاحتفال فى عيد وفاء النيل، أى التعبير عن الحب، نحتفل بيوم عيده. لم يبتكر جيلى الاحتفال فالفضل يعود إلى المصريين الأقدم وربما الأكثر وفاء من مصريين جاؤوا بعدهم على مر العصور. النيل فى أصله وطبيعته المتجددة هبة الخالق، لذا أدعوكم يا أولاد مصر بنات وبنين، للتعبير عن وفائكم له واستعدادكم للتضحية من أجل تحقيق متطلبات استمرار فيضه وجماله وبهائه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عادات وممارسات عفا عليها زمنى عادات وممارسات عفا عليها زمنى



GMT 11:26 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وتسويق الملفّ النووي…

GMT 11:25 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

تساقط المدن

GMT 11:24 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

إيران وإسرائيل وما بينهما

GMT 11:23 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

... عن الفضيحة والرأسماليّة

GMT 11:22 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

سير ستارمر... يستقيل أمْ يُقال؟

GMT 11:21 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الخطوط الحمر

GMT 11:20 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

عن «قاموس هيدغر» ومسألة الشرح الفلسفي

GMT 11:19 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

الإمبراطورية الألمانية... زمن صحوة البوندسفير

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز

GMT 07:09 2024 الخميس ,06 حزيران / يونيو

اختاري إكسسوارت ملونة لإطلالاتك هذا الربيع

GMT 13:40 2021 الأربعاء ,15 أيلول / سبتمبر

جونسون سيقوم بتعديل وزاري اليوم الأربعاء

GMT 05:44 2021 الإثنين ,12 إبريل / نيسان

«الثقافة الأردنية» تطلق «الفلسفة للشباب»

GMT 00:29 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

شكرى يصل موسكو لبحث تطورات الأوضاع في ليبيا وسوريا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt