توقيت القاهرة المحلي 17:32:46 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أم المعارك

  مصر اليوم -

أم المعارك

بقلم - أمينة خيري

هى أم المعارك! ومن دونها لن يستمر انتصار وسيدوم كل انكسار. ويوم تنازلنا عنها وقايضناها بمروحة وقماش «ديولين» وكاسيت بروحين، انكسرت وانزوت وكلما حاولت أن تطل برأسها ضربناها ضربة قاسية وقاومناها مقاومة عاتية، وفضلنا عليها المسخ خالى المضمون والقبح المحمل بالديون.

ديون مصر الحقيقية ليست فى ديون خارجية متلتلة أو داخلية متواترة، لكنها فى استعادة الهوية المرهونة منذ ما يقرب من نصف قرن. فك الرهنية واستعادة الهوية ليس بالعمل الهين أو الإجراء البسيط. فأعقد ما فيه أن قطاعاً عريضاً من أصحاب الهوية المرهونة إما يعتقدون أن ما اعتنقوه من خليط ماسخ من هويات مستوردة هو الأصل، وقطاع آخر ينتفع ويفتئت ويتمسك بتلابيب المسخ الذى نعيشه لأنه لقمة عيشه ومصدر رزقه.

الرزق الذى يأتينا من حيث لا نحتسب لا يجب أن ندعه يمر هكذا، دون التفاتة أو انتفاضة. والرزق الذى تمثل فى حديث الرئيس السيسى قبل أيام عن استعادة الهوية المصرية التى «حاولت بعض الأيادى طمسها». وأزيد من الشعر بيتاً وأقول إن بعض الأيادى والعقول والجيوب بذلت جهوداً مضنية لطمس الهوية المصرية، وهى الجهود التى لم يكن لها أن تتكلل بهذا القدر من النجاح لولا هرولة ملايين المصريين لخلع الثوب المصرى الأصلى وارتداء جلباب لا شأن لنا به.

وشأن الهوية يفترض أن يكون شأن كل المصريين. لكن المفروض يختلف عن الواقع. والواقع يشير إلى أن قطاعاً عريضاً من الشعب بات متشبثاً بمزيج الهويات الواردة التى لا تشبهنا شكلاً أو موضوعاً. ربما يكون ذلك بفعل عقود مضت من تضاؤل مكانة مصر من حيث التأثير، وربما يكون استجابة لسنوات أو عقود أمضاها البعض فى حضن ثقافات مغايرة، وربما أيضاً -وهذا هو مربط الفرس- يعود لتلك الخلطة الجهنمية التى جعلت من الهوية «الجديدة» هوية دينية (رغم أنها ليست كذلك وإلا لتم تصنيف المصريين على مدار مئات السنين باعتبارهم كفاراً).

الخلطة الجهنمية الشيطانية التى شككت الملايين فى انتماءاتهم المصرية، وفتحت أبواب الكراهية لكل ما هو مصرى أصيل على مصاريعها، ودقت على أوتار القوى المصرية الناعمة المتآكلة من فنون وثقافة وأكاديميات وعلوم وغيرها، أدت إلى ما نحن عليه الآن من هجين ثقافى ومسخ فكرى لا معالم واضحة له أو ملامح محددة تميزه.

فمن فكر ممسوخ حول المرأة المصرية على مدار السنوات الماضية إلى رمز للجنس فقط لا غير، ثم جملنا المسخ بهالة من التديين ليبدو وكأن تحقيرها نعمة وتشييئها تكريم، إلى تغيير فى العبارات والمفردات المستخدمة يومياً بدءاً بتحية الصباح والمساء مروراً بكلمات الشكر وعبارات الثناء، ومنها إلى «فخفخينا» التناقضات المقيتة حيث تلال القمامة على مرمى حجر من باب الجامع، وجموع المتحرشين يرتعون فى محيط من يديرون الآيات القرآنية بأعلى صوت ويقيمون كل الصلوات فى مكبرات الصوت وينعتون غير المسلمين بأقبح النعوت وذلك دون أن تهتز لهم شعرة أو تمر بهم صحوة، وهلم جرا.

الهوية المصرية التى تخلينا عنها طواعية ودهسناها بأقدامنا يوم سمحنا لمعتوه بأن يسب سيدة الغناء العربى أم كلثوم ومعها العندليب الأسمر وذلك لأن الغناء حرام والحب حرام والعيشة حرام فى حرام، والتى لم نعرف قيمتها يوم استبدلنا بملابسنا القروية المزركشة وتلك التى نرتديها فى المدن بأناقة ورقى أثواباً لا تمت لنا بصلة، والتى بخسناها حقها حين تعاملنا مع الفن وكأنه رجس والثقافة باعتبارها إغواء والعلم على أنه اختيار.

اختار المصريون -حكاماً ومحكومين- فى عهود سابقة الطريق السهل الذى يصب فى فخ عميق، هو ذلك الذى نقبع فيه الآن.

والمسخ الذى قوبلت به دعوة الرئيس السيسى قبل ما يزيد على عامين لتجديد الخطاب الدينى حيث لا تجدد ولا حتى تمختر، هو نفسه ذلك المسخ الذى ستؤول إليه دعوته لاستعادة الهوية المصرية، وذلك إن لم نقتنص الفرصة ونتخذ منها مشروعاً قومياً لا يقل أهمية عن المشروع القومى للطرق والعاصمة الجديدة وغيرهما.

الرئيس تحدث عن عملية صياغة شاملة للإنسان المصرى تعتمد على الأبعاد الفكرية والاجتماعية والثقافية. وأخشى ما أخشاه أن تُترك الدعوة إما للزمن ليطمسها، أو للأشخاص والجهات التى تحتاج هى نفسها للتحديث والتطهير والتعقيم، فتكون النتيجة تكراراً للدعوة لتجديد الخطاب الدينى، ألا وهى: «ولا حاجة»!

نقلا عن الوطن

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أم المعارك أم المعارك



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

النجمات يودّعن الشتاء بإطلالات جريئة

باريس - مصر اليوم

GMT 16:35 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى
  مصر اليوم - الديكور في عروض الأزياء تجربة بصرية لا تُنسى

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt