توقيت القاهرة المحلي 01:45:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أم المعارك

  مصر اليوم -

أم المعارك

بقلم - أمينة خيري

هى أم المعارك! ومن دونها لن يستمر انتصار وسيدوم كل انكسار. ويوم تنازلنا عنها وقايضناها بمروحة وقماش «ديولين» وكاسيت بروحين، انكسرت وانزوت وكلما حاولت أن تطل برأسها ضربناها ضربة قاسية وقاومناها مقاومة عاتية، وفضلنا عليها المسخ خالى المضمون والقبح المحمل بالديون.

ديون مصر الحقيقية ليست فى ديون خارجية متلتلة أو داخلية متواترة، لكنها فى استعادة الهوية المرهونة منذ ما يقرب من نصف قرن. فك الرهنية واستعادة الهوية ليس بالعمل الهين أو الإجراء البسيط. فأعقد ما فيه أن قطاعاً عريضاً من أصحاب الهوية المرهونة إما يعتقدون أن ما اعتنقوه من خليط ماسخ من هويات مستوردة هو الأصل، وقطاع آخر ينتفع ويفتئت ويتمسك بتلابيب المسخ الذى نعيشه لأنه لقمة عيشه ومصدر رزقه.

الرزق الذى يأتينا من حيث لا نحتسب لا يجب أن ندعه يمر هكذا، دون التفاتة أو انتفاضة. والرزق الذى تمثل فى حديث الرئيس السيسى قبل أيام عن استعادة الهوية المصرية التى «حاولت بعض الأيادى طمسها». وأزيد من الشعر بيتاً وأقول إن بعض الأيادى والعقول والجيوب بذلت جهوداً مضنية لطمس الهوية المصرية، وهى الجهود التى لم يكن لها أن تتكلل بهذا القدر من النجاح لولا هرولة ملايين المصريين لخلع الثوب المصرى الأصلى وارتداء جلباب لا شأن لنا به.

وشأن الهوية يفترض أن يكون شأن كل المصريين. لكن المفروض يختلف عن الواقع. والواقع يشير إلى أن قطاعاً عريضاً من الشعب بات متشبثاً بمزيج الهويات الواردة التى لا تشبهنا شكلاً أو موضوعاً. ربما يكون ذلك بفعل عقود مضت من تضاؤل مكانة مصر من حيث التأثير، وربما يكون استجابة لسنوات أو عقود أمضاها البعض فى حضن ثقافات مغايرة، وربما أيضاً -وهذا هو مربط الفرس- يعود لتلك الخلطة الجهنمية التى جعلت من الهوية «الجديدة» هوية دينية (رغم أنها ليست كذلك وإلا لتم تصنيف المصريين على مدار مئات السنين باعتبارهم كفاراً).

الخلطة الجهنمية الشيطانية التى شككت الملايين فى انتماءاتهم المصرية، وفتحت أبواب الكراهية لكل ما هو مصرى أصيل على مصاريعها، ودقت على أوتار القوى المصرية الناعمة المتآكلة من فنون وثقافة وأكاديميات وعلوم وغيرها، أدت إلى ما نحن عليه الآن من هجين ثقافى ومسخ فكرى لا معالم واضحة له أو ملامح محددة تميزه.

فمن فكر ممسوخ حول المرأة المصرية على مدار السنوات الماضية إلى رمز للجنس فقط لا غير، ثم جملنا المسخ بهالة من التديين ليبدو وكأن تحقيرها نعمة وتشييئها تكريم، إلى تغيير فى العبارات والمفردات المستخدمة يومياً بدءاً بتحية الصباح والمساء مروراً بكلمات الشكر وعبارات الثناء، ومنها إلى «فخفخينا» التناقضات المقيتة حيث تلال القمامة على مرمى حجر من باب الجامع، وجموع المتحرشين يرتعون فى محيط من يديرون الآيات القرآنية بأعلى صوت ويقيمون كل الصلوات فى مكبرات الصوت وينعتون غير المسلمين بأقبح النعوت وذلك دون أن تهتز لهم شعرة أو تمر بهم صحوة، وهلم جرا.

الهوية المصرية التى تخلينا عنها طواعية ودهسناها بأقدامنا يوم سمحنا لمعتوه بأن يسب سيدة الغناء العربى أم كلثوم ومعها العندليب الأسمر وذلك لأن الغناء حرام والحب حرام والعيشة حرام فى حرام، والتى لم نعرف قيمتها يوم استبدلنا بملابسنا القروية المزركشة وتلك التى نرتديها فى المدن بأناقة ورقى أثواباً لا تمت لنا بصلة، والتى بخسناها حقها حين تعاملنا مع الفن وكأنه رجس والثقافة باعتبارها إغواء والعلم على أنه اختيار.

اختار المصريون -حكاماً ومحكومين- فى عهود سابقة الطريق السهل الذى يصب فى فخ عميق، هو ذلك الذى نقبع فيه الآن.

والمسخ الذى قوبلت به دعوة الرئيس السيسى قبل ما يزيد على عامين لتجديد الخطاب الدينى حيث لا تجدد ولا حتى تمختر، هو نفسه ذلك المسخ الذى ستؤول إليه دعوته لاستعادة الهوية المصرية، وذلك إن لم نقتنص الفرصة ونتخذ منها مشروعاً قومياً لا يقل أهمية عن المشروع القومى للطرق والعاصمة الجديدة وغيرهما.

الرئيس تحدث عن عملية صياغة شاملة للإنسان المصرى تعتمد على الأبعاد الفكرية والاجتماعية والثقافية. وأخشى ما أخشاه أن تُترك الدعوة إما للزمن ليطمسها، أو للأشخاص والجهات التى تحتاج هى نفسها للتحديث والتطهير والتعقيم، فتكون النتيجة تكراراً للدعوة لتجديد الخطاب الدينى، ألا وهى: «ولا حاجة»!

نقلا عن الوطن

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أم المعارك أم المعارك



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt