توقيت القاهرة المحلي 01:45:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

صدمة اليوم واعتياد الغد

  مصر اليوم -

صدمة اليوم واعتياد الغد

بقلم - أمينة خيري

الكل يتحدث عن موجة الجرائم ذات التفاصيل الصادمة هذه الأيام، من أب قال إنه قتل ولديه، لأم حاولت التخلص من ولديها فمات الأول ونجا الثانى، لرجل تخلص من خطيب ابنته بقتله ثم دفنه فى مطبخ بيته، لمتحرش قتل زوج المتحرش بها على الشاطئ، وغيرها من الجرائم «العادية»، حيث خطف طفل والمطالبة بفدية، أو قتل زوجة بمساعدة الابنة والعشيق، أو قتل كلاب والتمثيل بأجسادها فى الشارع على سبيل اللهو، أو الاعتداء الجنسى على طفل ثم التخلص منه بقتله، وغيرها من الجرائم التى باتت «عادية».

اعتياد القسوة والفجر فى الجريمة أمر يستغرق بعض الوقت، شأنه شأن القبح المعمارى والأخلاقى والسلوكى وغيرها. خذ عندك مثلاً ما آلت إليه أشكال العمارات السكنية لدينا بجميع مستوياتها، سواء تلك التى تُبنى فى المناطق العشوائية والشعبية، أو تلك التى تشيد فى أرقى الأحياء وأغلاها. القبح المعمارى ليس حكراً على مبانى الفقراء، بل يمكن القول إنه أكثر شيوعاً فى مبانى الأغنياء.

«التجمع» بجلالة قدره وغلاء ثمنه وهيلمان سكنه تجمع للقبح المعمارى، «فخفخينا» الطرز الرومانية والإسلامية والحداثية وغيرها فى واجهة مبنى واحد فى تنافر ملحوظ وتباين فج هو قبح معمارى، ولا يقل فى قبحه عن تلك العمارات القبيحة التى يكاد يبنى بعضها فوق بعض فى «عزبة الهجانة» مثلاً، المثل المذكور غرضه طرح سؤال: هل يتوقف أحد لانتقاد هذا القبح أو ذاك؟ هل يعترض أحد على قرار الأستاذ فتحى ساكن الدور الثالث فى عمارة هى تحفة معمارية فى وسط القاهرة بأن يطلى نوافذ بيته باللون «الفحلقى»؟ أغلب الظن أن الإجابة «لا»، وأغلب الظن أن المعترضين يٌنظر إليهم باعتبارهم «ناس فاضية» أو «ناس مرفهة» أو «ماحساش بالناس»، وكأن «باكيدج» (حزمة) الغلب والفقر لا بد أن تأتى كاملة متكاملة مع القبح فى التفاصيل والسكوت عليها ومباركتها، وإلا يتهم الجميع بأنه «ماحساش بالناس»،

ومن «ماحساش بالناس» إلى إحساس الناس ووعيهم ورد فعلهم لما يدور حولهم وبينهم من جرائم، خذ عندك مثلاً رد الفعل الشعبى المتدين بالفطرة الشهم الجدع تجاه المتحرش بفتاة التجمع، «ما هو لبسها يدل على أخلاقها» «ما هو ما يصحش تصوره» «ما هو لو كانت محجبة ما كانش حصل كده» «ما هو عادى واحدة واقفة فى الشارع أكيد هيفتكروها شمال» إلى آخر معزوفة القبح التى لم تعد «عادية» فقط، بل ترتدى أحياناً رداء «التدين الوسطى الجميل».

«التدين الوسطى الجميل» ومعه القشرة الهزيلة المتهالكة المهلهلة من الأخلاق التى يدعيها كثيرون تكشف عن وجهها فى كل مرة تطالعنا أخبار جريمة ذات تفاصيل «صادمة» بمقاييس الأمس «عادية بمقاييس اليوم»، اليوم تجد من يدقق فى صورة من صور الأسرة المجرمة التى قتلت طالب الشروق ودفنته فى شقتها فى الرحاب، فتجد «سورة يس» معلقة على حائط البيت، ووالدة الخطيبة ترتدى الحجاب، فتسمع تلميحاً بأنه ربما فى الأمور أمور فالأم «ملتزمة» وربما تكون أٌجبرت على ما جرى!!

وما جرى فى الرحاب يجرى هنا وهناك، صدمة أولية، ثم بحث عن مخرج أو مبرر يبرئ الجانى ويمعن فى دهس الضحية، وأخيراً المزيد من اعتياد القبح، وهل هناك قبح أكثر من وصف الزوج المغدور على الشاطئ بعد ما اشتبك مع المتحرش بزوجته بأنه «يستاهل» و«لطخ» لأنه ذهب مع زوجته إلى شاطئ مختلط؟!

اختلاط الحابل بالنابل سمة الحياة فى مصر على مدار العقود الخمسة الماضية يطفح علينا اليوم تديناً مظهرياً وتدنياً أخلاقياً وتسيباً قانونياً واعتياداً غير مسبوق لكل ما هو قبيح، وما الذى ننتظره من مجتمع لم تعد للمدرسة فيه وجود باستثناء المبنى، ولم يعد للدين فيه دور باستثناء غطاء الرأس ويستحسن الوجه والزبيبة والجلابية والشبشب بصباع، ولم يعد للتنشئة الأسرية دور يذكر، ولم يعد للانتماء للوطن مجال يحسب؟

حساب المستقبل يبدأ فعلياً بإعادة بناء المصرى بعيداً عن المتطفلين بأنواعهم، وهو أشبه بالطب الوقائى الذى يقى الجسم قبل أن تدب فيه الأمراض والفيروسات، ومعه تدخل جراحى آن لوقف نزيف الأخلاق والأرواح واعتياد القبح، وهو ما يتم عبر تطبيق صارم وحاسم وعادل للقوانين الميتة إكلينيكياً.

نقلا عن الوطن القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

صدمة اليوم واعتياد الغد صدمة اليوم واعتياد الغد



GMT 20:22 2023 الخميس ,19 تشرين الأول / أكتوبر

مليونية ضد التهجير

GMT 03:11 2023 الأربعاء ,21 حزيران / يونيو

الخالدون أم العظماء

GMT 04:43 2023 الإثنين ,19 حزيران / يونيو

كل سنة وأنت طيب يا بابا

GMT 04:15 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

الزعامة والعقاب... في وستمنستر

GMT 03:32 2023 الأحد ,18 حزيران / يونيو

حدوتة مصرية فى «جدة»

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt