توقيت القاهرة المحلي 07:26:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الثورة والتاريخ

  مصر اليوم -

الثورة والتاريخ

بقلم - عبد المنعم سعيد

ربما آن الأوان لكى نترك ثوراتنا للتاريخ والمؤرخين حيث يتم تجميع «الحقائق» وتحليلها واستخلاص الدروس منها فى زمن هادئ وعواطف ساكنة.

المؤكد أنه بعد كل ذلك، فإن الاتفاق على ما جرى، فضلا عن سلامته الأخلاقية، سوف يظل موضعا للاختلاف، ولكن المعرفة فى عمومها سوف تكون أكثر غنى لمن يرتجى سبيلا للخلاص من أزمات.

لا أعرف ثورة فى تاريخ العالم انتهى الخلاف حولها، من الثورة الأمريكية حتى الثورة الفرنسية والبلشفية والصينية وغيرهم، ولا يزال الأمريكيون فى حيرة حول إعلان الاستقلال الذى أكد على المساواة وحقوق الإنسان الأساسية، ولكن الثورة ذاتها فى دستورها أقرت استمرار العبودية، وظل قادتها «العظام» من جورج واشنطن إلى توماس جيفرسون ملاكا للعبيد.

الثورة الفرنسية الأشهر بين الثورات غيرت فرنسا والعالم ومع ذلك فقد عادت أسرة البوربون مرة أخرى، ومن بعدها عاد الحكم لأسرة نابليون، ثم كانت الثورة على الثورات وقيام الجمهورية الأولى، والآن نتحدث عن تقاليد الجمهورية الخامسة!، ولم تسلم ثورات مصر من نفس التقاليد فى المراجعة والانقسام، الثورة التى أتت بالوالى محمد على إلى الحكم مازالت دافعة للتساؤل عن حالة مصر وقتها والتى جعلت قائد الثورة عمر مكرم يطلب السلطة لألبانى وأحد جنود الاحتلال العثمانى.

وثورة عرابى كتب عنها وكتب تاريخها على أنها الطريق الذى أخذ مصر إلى الاحتلال الإنجليزى، وحينما عاد أحمد عرابى من المنفى كانت لديه شكوك حول سلامة ما جرى حتى جاء بعد ذلك من أنصفها وأعادها إلى سجلات تاريخ الوطنية المصرية.

وثورة ١٩١٩ التى سوف نحتفل بمئويتها هذا العام، انتقدت لأنها أبقت الملكية وسلمت الدولة لكبار الملاك، وفى النهاية فإن سجلها الديمقراطى كان فقيرا فلم يحصل حزب الأغلبية الوفد على الحكم إلا فى سبع سنوات.

ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ كان لها من مدحها لأنها أعادت للمصريين حكم بلادهم ومع الحكم العزة والكرامة، وكان لها من رثاها بكاء على العهد الذهبى الذى سبقها، ومن بكى منها وعليها بسبب سجونها، وعندما جاءت «عودة الوعى» بدت الثورة فى عين مثقفيها على الأقل كارثة كبرى.

ثورة يناير ٢٠١١ التى نعيش ذكراها لن تسلم من نقد بل من تمزيق من قبل جماعة، بقدر ما تنظر لها جماعة أخرى فى حنين وشجن لذلك الورد الذى تفتح فى حدائق مصر. ولا تزال سكين الثورة حامية بحكم الزمن القريب، ولأن «الثورة» ما لبثت أن قادت إلى ثورات بعدها أكثرها تأثيرا ثورة ٣٠ يونيو ٢٠١٣.

وبنفس الطريقة التى جرت فى ثورات أخرى سوف يكون أكثر الأسئلة المعلقة هل كان حدث الثورة ضروريا، وماذا لو أن الأمور تركت على حالها، ألم تكن مصر سوف تكون اليوم أحسن حالا؟، قيل إن مصر عام ١٩٥٠ كانت أحسن حالا من البرتغال واليونان وتركيا، وبالطبع الصين وكوريا، وتقارن بإيطاليا، وبعد الثورة المجيدة فى يوليو ١٩٥٢ لم نعد نقارن بهذه العصبة من الأمم.

وفى الربع الأخير من عام ٢٠١٠، قبل أسابيع من ٢٥ يناير ٢٠١١ كان معدل النمو المصرى ٥.٤٪، والمتوسط العام للسنوات الست السابقة كان ٦٪، وذلك هو حالنا الآن أو ما نصبو إليه فى المستقبل القريب.

الخلاصة أن الحديث عن الثورات هو جزء من حديث الشعوب وحوارها حول نفسها وهويتها، والفارق بيننا وبين شعوب العالم الأخرى أنه أيا كانت «الحقيقة» فيما حدث، وهل كان تعبيرا عن «إرادة الشعب» أو أنه كان «مؤامرة» داخلية أو خارجية، أو «عملية» قام بها شباب ملتهب بالغيرة على بلاده أو أنه كان ألعوبة طرية فى يد الإخوان المسلمين، فإن الثورة باتت جزءا من التاريخ، بل إنها سجلت فى مطلع الدستور.

ربما يكون مفيدا أكثر أن يكون تاريخنا الأكثر فحصا وتمحيصا وحوارا يقع فى الزمن القادم الذى لم يعد يقاس بالسنين أو العقود أو القرون أو الألفيات، وإنما بالدقائق والثوانى والساعات. العلوم والتكنولوجيا الآن تأخذ العالم إلى حياة أخرى وزمن آخر، وسباق لم تعرفه دورة أوليمبية ولا كأس عالم. ولعل أكثر ما تحتاجه مصر الآن هو التطلع لما سوف يأتى بأكثر من النظر إلى ما ولى وراح، والبحث عن الطرق والسبل التى تجعلها واقعة بين الدول المتقدمة. مثل ذلك يحتاج إلى التفكير فى القضايا الكبرى التى جعلت مصر أسيرة لنيلها المقدس، وحبيسة لماضيها وليس لمستقبلها، ومرتعدة من التقدم والغنى والثروة والعصر الذى تعيشه دول العالم الأخرى دون خوف أو وجل. ثورة يناير الآن فى يد التاريخ.

نقلا عن المصري اليوم

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثورة والتاريخ الثورة والتاريخ



GMT 08:51 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

أين نحن من المفاوضات الدولية مع إيران؟

GMT 08:50 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

المعرفة التي قتلت لقمان سليم

GMT 08:46 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

لقمان سليم وتوحش النظام الإيراني

GMT 08:44 2021 الأحد ,07 شباط / فبراير

4 مليارات ثمن 12 بيضة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 04:17 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
  مصر اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt