توقيت القاهرة المحلي 17:20:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

بين زنّانة السماء وصمت الأرض.. يوميات مدينة تحت القصف

  مصر اليوم -

بين زنّانة السماء وصمت الأرض يوميات مدينة تحت القصف

بقلم:خولة مطر

يبدو لك أن شيئًا من نورٍ يتسلّل إلى الغرفة... ربما هو الصباح. لكنك لم تعد واثقًا. اختلط الليل بالنهار، ولم يعد الشروق ولا الغروب دليلك لمعرفة الوقت، ولا حتى صلاة المغرب أو الإفطار فى شهر الصيام. وحده صوت القصف صار ساعة الأيام، ووحدها الصواريخ والقذائف تعود كل حين لتطارد الأرواح البريئة. أما مشاهد النزوح فقد غدت أقوى من أى مشهدٍ فى هذا الشهر الفضيل. انسوا مسلسلات رمضان؛ فالواقع هنا أكثر إثارةً وقسوةً من خيال أى كاتب أو مبدع، بل حتى من خيال «تجّار» المسلسلات.

• • •

تعود إليك المشاهد التى لم تُمحَ من الذاكرة، بل استقرّت فى زواياها العميقة: حين كثر الموت فى الطرقات، وفى البيوت التى ظن أهلها أنها آمنة. تتذكّر الحروب التى عشتها فى هذا البلد وغيره، لكن لبنان - كعادته - يحتفظ بنصيب الأسد من الحروب. يتقاسمها مع الفلسطينيين كما تقاسموا الزيتون والزعتر، وكأن قدر هذه الأرض أن تتقاسم الألم أيضًا.

• • •

تدرك أن اليوم قد بدأ، رغم أنه لم ينتهِ فى البارحة. امتد الليل حتى ساعات الصباح الأولى، وما إن أغمضت عينيك - ربما مُرغمًا - حتى عادت الزنّانة تحوم فى سماء بيروت، لا تتوقف ولا تغادر. الطائرات الحربية تسكن السماء، والبحر كله مستباح لسفنهم. يستعرضون قوتهم من الجنوب إلى الشمال، مرورًا بالعاصمة... بل بعاصمة العواصم.

تبحث عن الضحايا الجدد. من الجنوب، ببلداته المدمَّرة مرةً بعد مرة، مرورًا بصور وصيدا، وصولًا إلى بيروت وضاحيتها التى ما زالت شامخة فى وجههم. تزدحم الطرقات بالسيارات القادمة من الجنوب نحو العاصمة، وبالعائلات الخارجة من الضاحية إلى أى مكانٍ قد يوفر بعض الأمان. وفى بلدات البقاع خرج الناس إلى المدن الأقرب، لكن بعض الأبواب أُوصدت فى وجوههم... فى مشهدٍ موجع لا يقل قسوةً عن صوت القصف.

• • •

هكذا تبدو حرب 2026: مختلفة، بوجعٍ مضاعف عن تلك التى شهدناها فى 2006 وما قبلها وما بعدها. اقترب العدو أكثر، واندسّ بين الأهل والأقربين،
هنا في لبنان وفي دول عربية كثيرة

. ففيما كسرت غزة كثيرًا من سرديات الصهاينة، بقيت سرديتهم الأخرى حاضرة: تفتيت المفتّت، وإعادة تقسيم ما تمزّق أصلًا. مع كل مفترق طريق، ومع كل حربٍ يبدأونها هم، يسارعون إلى تغليفها بأسماءٍ منمّقة، علّهم ينتصرون فى حرب المعلومة والرواية. فالتفوق العسكرى - حتى مع وقوف قوى العالم القديمة والحديثة معهم - يبقى ناقصًا إن خسرت الرواية. ولذلك صنعوا لها جيوشًا إلكترونية لا تقل ضجيجًا عن الطائرات.

• • •

يقتلك العجز... أو الإحساس به. فتمضى تسير فى شوارع المدينة التى افترشها كثير من النازحين. اكتظّت الأرصفة بالوجوه المتعبة؛ وجوهٌ تركت بيوتها مرةً بعد مرة. وفى كل مرة يُقال لهم: عليكم الخروج. يعيدون السؤال ذاته: ماذا نحمل معنا من بيتنا؟

يبدو النزوح كالموت؛ لا قدرة للبشر على الاستعداد له، مهما تكرر. يقولون: «تعودنا». لكن أحدًا لا يعتاد الفقد.

• • •

تصمت. تراقب وجوه الأطفال. لا آيباد فى أيديهم ولا هواتف ذكية؛ فقط كرة قدم، أو سباقات جرى صغيرة بين الأزقة. عيونهم مليئة بإيمانٍ لا يعرفه كثيرون ممن يجلسون فوق سجادات صلواتهم ليلًا ونهارًا. هؤلاء الصغار يعرفون معنى الإيمان، ومعنى الكرامة، ومعنى حب الأرض والوطن.

• • •

لا تخيفهم آلة الموت الصهيونية بقدر ما يؤلمهم نبذ الأقربين وكرههم. لا يخشون ما يأتى من السماء أو البحر، بل يخافون تلك العبارة التى قالتها امرأة فى الثلاثين من عمرها، وقفت عند باب مدرسة تنادى أن تُفتح الأبواب لخمسين عائلة افترشت الأرض فى ليلةٍ قاسية. كانت الرياح باردة، وحتى الطبيعة لم تكن رحيمة.

قالت المرأة:

«نعم… كسرتُ باب المدرسة لينام الأطفال فى شىءٍ من الدفء، وتحت سقفٍ كبشر».

لكن مديرة المدرسة أحضرت الشرطة. طُردوا. واتُّهموا بأقبح التهم.

هم القادمون من ملح الأرض.

هم من سقى أبناؤهم ترابها بدمهم وعرقهم.

هم عشّاق الحياة حتى الدفاع عنها بأرواحهم.

هم من يعرفون أن الوطن أولًا... ولذلك لا يقبلون أقل من أن يفدوه بأرواحهم، وأن يطردوا المحتل مهما حضر بأسماءٍ وأشكالٍ مختلفة.

وحتى الآن، للحرب روايات عديدة.

وحتى الآن، تطارد الطائرات كل روحٍ حرّة.

وحتى الآن، يكرر بعض إعلامنا سرديات ليست سوى امتدادٍ لحربهم علينا وعلى أهلنا هنا وهناك.

وعند كل منعطفٍ صعب، يخرج بعضنا الملفات القديمة... وتخرج الفئران من جحورها، تنشر سمّها فى هيئة دفاعٍ عن الوطن والحرية، بينما تُخوّن الضحية أو من يرفض مشروعهم الكبير.

كم هى الحرب قاسية اليوم.

• • •

وبين 2006 و2026 مسافةٌ لا تُقاس بالسنوات، بل بما سقط خلالها من أقنعة، وما تراكم من تزييفٍ وكذبٍ لتبرير القتل والدمار.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

بين زنّانة السماء وصمت الأرض يوميات مدينة تحت القصف بين زنّانة السماء وصمت الأرض يوميات مدينة تحت القصف



GMT 07:29 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

الفلسطينيون ومتاعب نظامهم «المزدوج»

GMT 07:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

متحف الوطن العربي

GMT 07:03 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

اطبع واقتل!

GMT 05:16 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

أزمة ثقة تطيح بالطبقة السياسية التقليدية

GMT 05:14 2026 الخميس ,14 أيار / مايو

إصلاح النظام العالمي!

النجمات العربيات يخطفن الأنظار في افتتاح مهرجان كان 2026

باريس ـ مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 02:58 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

خطوات بسيطة لزجاج ومرايا لامعة بدون مجهود

GMT 04:27 2018 الجمعة ,25 أيار / مايو

أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الجمعة

GMT 09:57 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

أفضل صيحات قصّات الشعر لعام 2026

GMT 11:09 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

تأييد حبس النائبة التونسية عبير موسي عامين

GMT 03:50 2018 الأحد ,29 تموز / يوليو

سعد سمير يُؤكّد تاونشيب خصم صعب وسط جمهوره

GMT 02:25 2018 الثلاثاء ,08 أيار / مايو

الحرازين يوضح أن مصر تواصل دورها في المصالحة

GMT 22:27 2024 الأحد ,02 حزيران / يونيو

أنس جابر إلى دور الثمانية من "رولان غاروس"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt