توقيت القاهرة المحلي 08:32:49 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الشخصية والمؤلف.. أسامة أنور عكاشة مثالا

  مصر اليوم -

الشخصية والمؤلف أسامة أنور عكاشة مثالا

بقلم: عبد الله السناوي

هذه تجربة فريدة لكنها شبه منسية بتقادم السنين فى مسيرة «أسامة أنور عكاشة»، الذى يوصف بمؤسس «الرواية التلفزيونية» بتعبير أمير القصة القصيرة «يوسف إدريس».
فى هذه التجربة، التى نشرت يوم (17) ديسمبر (2000) على صفحات جريدة «العربى»، كتب نصا تخيليا، كأنه حدث فعلا، أجرى حوارا صاخبا مع «عايدة» بطلة «زيزينيا» أحد أشهر أعماله، كأنها تتمرد عليه وتريد أن تبحث لنفسها عن مصير آخر غير الذى كتبه المؤلف.
«دخلت غاضبة.. تكاد دموعها تطفر وهى تلقى أمامى بمخطوطات سيناريو «زيزينيا».. تفضل.. هذه هى أوراقك.. مزقها.. احرقها.. المهم أن تخرجنى من سجنها.. حاولت فى صبر وهدوء أن أنهى انفعالها.. طلبت لها فنجان القهوة.. وطلبت منها أن تجلس وسألتها عن أسباب ثورتها العارمة».
«ــ ما هذه الورطة البشعة التى وضعتنى فيها؟ وأى صورة بالغة القتامة رسمتنى عليها؟ فى الفصل الأول الذى أسميته «الولى والخوجة»، قدمتنى فى شخصية البنت الأرستقراطية المدللة التى خرجت من زيجة فاشلة لتتخبط فى حياة أفشل، لا تجد ما يشغل بالها أو وقتها غير التسلى بإحاطة نفسها بالرجال المدلهين فى هواها حتى تصادف بطلك «بشر عامر عبدالظاهر».. ذلك النموذج المدهش لاختلاط الأصل المصرى بالدم الإيطالى.. فاختلطت فى شخصيته كل الأشياء.. الرومانسية بشطارة التجار «بصياعة» أبناء الطبقة الثرية بالدونجوانية، بشهامة أولاد البلد السكندرية معجونة بالميل إلى الحياة اللاهية وعدم تحمل المسئولية.. كل هذا ثم تضعه فى طريقى لأقع فى هواه وتبدأ سلسلة «مرمطتى».. السيد «بشر» يتشكك فى سلوكياتى نتيجة لعلمه بمغامراتى الطائشة قبل أن ألقاه.. فيتردد فى الزواج منى.. وحين أطالبه بأن يتقدم ليخطبنى بعد أن تصاعد القيل والقال عن علاقتنا فى مجتمع المدينة.. يهرب منى مما يشعل نار اليأس والرغبة فى الانتقام داخلى، فأوافق على الزواج من أفاق محتال يوهمنى بأنه مناضل من ثوار الحركة السرية ضد الاحتلال.. ولا أكتشف حقيقته إلا بعد أن وقعت الفأس فى الرأس وتزوجته.. وينتهى الفصل الأول وأنا أتداعى منهارة تحت وطأة الصدمة! وأنتظر أوراق الفصل الثانى وأنا أمنى نفسى بأنك ستنصفنى وتعدل لى «المايلة».. فإذا بك تزيد الطين بلة وتشعل النار حولى.. وأرى نفسى أسيرة الزوج النصاب، الذى أحال حياتى جحيما، وراح يبتزنى «يساومنى ويفرض علىّ إجرامه».. بينما يواصل السيد «بشر» صرمحته وعبثه وتنقله من زهرة إلى أخرى وكأنك تكافئه على ما سبب لى من آلام.. بل تزوجه أيضا.. وليس مرة واحدة.. بل مرتين.. وجعلتنى أواجه هذا كله ولا حيلة لى إلا الدموع والشكوى للأم والصديقة.. والمشاهدين.. وانتهزت فرصة توقفها عن الكلام للحظة ترشف فيها رشفة ماء فعاجلتها.
ــ أنت فى الدراما تمثلين موقفا متصلا بالفكرة الأساسية، وهى علاقة المصرى بالآخر.. والحوار المتصادم بين الثقافة المصرية والثقافة الوافدة.. ومن هنا رسمتك نموذجا شديد الجاذبية والطرافة.. وهو الشخصية القلقة الحائرة.. بنت شريحة بورجوازية تتطلع إلى تقليد «الخواجات»، لدرجة أننا لا نعرف لها صديقة غير الإيطالية «سيلفانا».. ومحاولة الانسلاخ هذه تسبب لها ما عقد حياتها بأكملها.. فنمط معيشة تلك الشريحة «المتخوجنة» يستتبع وجود فشل اجتماعى مصاحب له.. كانتهاء زيجتها الأولى.. ثم تعدد علاقاتها فى البحث عن تعويض.. وخلال هذه المتاهة التى تنذر بضياع كامل تأتى علاقتها ببشر، وتبدأ أزمتها الحقيقية التى تشبه كثيرا دخول «المطهر» أو قضاء فترة «العقوبة».. متمثلة فى زواجها من «أبو ليلة» الأفاق.. وهو الزواج الذى يمثل العقاب «الدرامى» على الاختيار الخاطئ.. وفى نفس الوقت يعد «فرصة» للشخصية تكتوى فيها بنيران التجربة المرة لتتبين بالتدريج، ومن خلال قسوة التجربة طريقا جديدا لحياة أخرى مختلفة.. إن «عايدة» هى أكثر شخصيات «زيزينيا» درامية.. والتغييرات التى تحدث لها عبر فصول الرواية الثلاثة تجعلها أغنى تلك الشخصيات وأعمقها.. و..
وقاطعتنى قبل أن أستطرد وأفيض..
ــ حيلك! أنا لا تهمنى اصطلاحاتك ولا شروحاتك الفنية.. فأنا لم أعد «شخصية» من ورق ابتدعتها سيادتك وسجنتها فى سطورك.. لقد انفصلت عن قلمك وأصبحت شخصية من لحم ودم.. ذات وجود مستقل عن رغبات وهواجس وعقد «مؤلفها».. أصبحت إنسانة شقية.. ولأننى لم أحصل على حريتى الكاملة وحقى فى تقرير مصيرى الذى تمسكه سيادتك بين أصابعك وتستمتع فى «سادية» واضحة بالتلاعب به.. فقد فقدت سعادتى.. ثم تعال هنا.. وأنت تنكل بى كل هذا التنكيل.. وتسبب لى كل هذه «البهدلة».. لماذا لم تجعلنى وأنا أبحث عن خلاصى.. أفكر فى «الخلع»؟
لم أتمالك نفسى من الضحك الساخر فزاد غضبها اشتعالا:
ــ ما يضحكك؟
ــ جهلك ولا مؤاخذة.. فتعديلات قانون الأحوال الشخصية التى تتيح للزوجة أن تطلق «خلعا» لم تصدر إلا منذ عام فقط.. وأحداث زيزينيا تدور فى الأربعينيات يا عزيزتى!.. صح النوم!
وجاء دورها لتضحك ساخرة:
ــ بل أنت النائم يا حضرة المؤلف.. ففى الأربعينيات كانت نزاعات الأحوال الشخصية تنظر فى المحاكم الشرعية.. وقضاتها يحكمون وفقا للشرع.. وقد علمنا أن مبدأ «الخلع» موجود فى الشريعة الإسلامية، منذ أيام النبى «عليه الصلاة والسلام».
ــ كان المبدأ موجودا ولكنه كان «مسكوتا عنه».. كان بالعربى «مجمدا».. بدليل أننا طوال عمرنا لم نسمع عن طلاق حدث بالخلع فى المحاكم الشرعية أو محاكم الأحوال الشخصية بعدها، إلا حين صدرت التعديلات الأخيرة!!
وكان ردى فيما يبدو مفحما.. فقد تحول غضب عايدة وانفعالها إلى شرود حزين مهموم.. وغامت على وجهها سحابة من كدر.. وهمست وكأنها تتحدث من غور سحيق..
ــ هل تعدنى بإنصافى فى بقية الرواية؟
ــ لا أعدك بالإنصاف فقط.. بل أعدك بأن تتحول عايدة فى الفصل الثالث إلى شخصية أخرى تماما تنتصف لنفسها ولكل معاناتها السابقة.. ستخرج من «المطهر» إنسانة جديدة تماما.. قوية.. واثقة فى نفسها.. قادرة على امتلاك خياراتها وتشكيل مصيرها.. واصبرى وسوف ترين..
وهتفت وهى تتناول آخر رشفة فى فنجان القهوة.
ــ وماذا أملك غير الصبر؟
وبينما نهضت.. وتهيأت لوداعها..
ــ سأواجهك مرة أخرى بعد الفصل الثالث.. وسأحاسبك.....».
....
هكذا دار الحوار التخيلى بين المؤلف وبطلة روايته، كأنها من لحم ودم ومشاعر، تأهبا لكتابة فصل ثالث من الرواية التلفزيونية «زيزينيا»، تملكته الفكرة الدرامية حتى باح ببعض أسرارها ذات يوم بعيد فى نص تخيلى نادر، لكنه لأسباب غير معروفة لم يكتبه.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الشخصية والمؤلف أسامة أنور عكاشة مثالا الشخصية والمؤلف أسامة أنور عكاشة مثالا



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt