توقيت القاهرة المحلي 10:11:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ما قد يحدث غدًا فى أمريكا

  مصر اليوم -

ما قد يحدث غدًا فى أمريكا

بقلم: عبد الله السناوي

لم تعد الولايات المتحدة الأمريكية هى نفس الدولة، التى خرجت من بين أطلال الحرب العالمية الثانية، قبل (75) عامًا، كقوة عظمى قدراتها الاقتصادية تضارع قوتها العسكرية ونفوذها بقدر أدوارها.
تكاد تتقوض الآن روافع الدور الأمريكى فى عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، حين تنازعت على زعامة النظام الدولى مع الاتحاد السوفيتى السابق، قبل أن تنفرد به بصورة شبه مطلقة، بعد سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة، مطلع تسعينيات القرن الماضى.
بأثر ضربتين متزامنتين من وباء «كورونا المستجد»، ووباء «العنصرية المتجذرة»، انكشفت الشقوق والشروخ فى الروافع، التى حملت الدور الأمريكى إلى منصة القيادة الدولية لعقود طويلة متتالية.
عند نهاية الحرب العالمية الثانية، اكتسبت الولايات المتحدة صفة «قائد النصر»، و«المنقذ»، الذى جاء من خلف المحيط لانتشال أوروبا والعالم معها من براثن النازية المتفشية.
كان ذلك تلخيصا مخلا لحقائق الحرب، فقد تأخرت الولايات المتحدة لأكثر من عامين عن خوضها، وبذلت دول أوروبية عديدة تضحيات هائلة فى المقاومة والصمود، وتمكنت القوات السوفيتية من حسم معارك أوروبا الشرقية كلها ودخول برلين قبل أى قوة عسكرية أخرى، لكنها قوة الصورة والدعاية مستندة على روافع ناعمة وصلبة.
كانت أول رافعة قدر ما ضخ من أموال هائلة لإنعاش الاقتصادات الأوروبية المنهكة بأثر ما لحق بها من تدمير، بلغت ذروتها فيما عرف باسم «مشروع مارشال»، الذى أعاد بناء ألمانيا المهدمة لإعادة تأهيلها وفق المنظومة الغربية الجديدة بعد الحرب.
فى أزمة «كورونا»، تخلفت الإدارة الأمريكية الحالية عن مد يد العون طبيا وماليا للدول الأوروبية الأكثر تضررا مثل إيطاليا وإسبانيا، ولا ساعدت أية دولة حليفة خارج أوروبا.
كانت تلك علامة على تقوض واحدة من أهم روافع المكانة الأمريكية بين حلفائها المفترضين.
بالمثل كان التحلل من اتفاقات تجارية واقتصادية واستراتيجية دون تشاور يعتد به، أو وضع مصالح الحلفاء فى ميزان التصرفات سحبا من رصيد الثقة وحسابات الصورة.
وكانت ثانى رافعة للدور الأمريكى بناء قاعدة صلبة مستدامة للتحالف العسكرى بين الحلفاء أخذ صيغة حلف «الناتو» فى مواجهة حلف آخر نشأ بقيادة الاتحاد السوفيتى السابق انتسب إلى العاصمة البولندية «وارسو».
رغم انهيار حلف «وارسو»، بعد تفكيك الاتحاد السوفيتى أعاد حلف «الناتو» هيكلة أهدافه متسقا مع ما تريده الإدارات الأمريكية المتعاقبة، شاركها حروبها واتبع خطاها كظلها، وقد جرت أغلب التدخلات العسكرية فى الشرق الأوسط كغزوى العراق وليبيا.
بطبائع الدور تكفلت الولايات المتحدة بالقسط الأكبر من تمويل «الناتو»، وذلك من متطلبات إخضاع الحلف لمقتضى الاستراتيجيات الأمريكية وحروبها، فلا شيء مجانيا.
محاولة «ترامب» التملص من تكاليف الحلف المالية ضربت فى فلسفته، وإمكانية بقائه وأهلية الولايات المتحدة لقيادته.
وكانت ثالث رافعة حجم ما ضخته الولايات المتحدة من أموال فى شرايين المنظمات الدولية بالقياس على أية دولة أخرى، وقد أضفى عليها هذا الدور نفوذا استثنائيا لم تحصل عليه أية دولة منافسة.
اكتسب الخروج الأمريكى من منظمة الصحة العالمية صدمته من توقيته فى لحظة جائحة تصيب وتميت ملايين البشر، بغض النظر عما هو منسوب للمنظمة الدولية من أخطاء وارتباكات.
لم يحدث أى قدر من التشاور والتنسيق مع الحلفاء المفترضين، الذين اعترضوا على القرار وتوقيته.
بنفس النهج خرجت الولايات المتحدة من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة «اليونسكو»، بذريعة أنها تنحاز ضد إسرائيل، وأوقفت تمويل وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين «الأونروا» للضغط على العصب الاقتصادى الفلسطينى، لتقبل «صفقة القرن»، التى تنهى عمليا القضية الفلسطينية إلى الأبد.
وكانت رابع رافعة للدور الأمريكى الصورة التى بنيت كأحلام ملونة للإمبراطورية الصاعدة، صاغتها «هوليوود» وصحافتها ومراكز الأبحاث والتفكير والجامعات المتقدمة، والسبق الذى تحوزه فى التقنيات الحديثة.
عبر العقود انكسرت الصورة الأمريكية، خاصة هنا فى العالم العربى، حتى بدت مؤخرا موضوعا لسجال عالمى بدواعى انكشافها تحت ضربات الوباء والعنصرية.
كانت المفارقة الكبرى أن الدولة التى يفترض أنها الأقوى والأكثر تقدما علميا وطبيا بدت مرتبكة فى مواجهة الوباء باستراتيجية قادرة على تطويقه، تصدرت المركز الأول عالميا فى نسب الإصابات والوفيات، وكان الحصاد الأكبر للأمريكيين الأفارقة الأكثر فقرا وتهميشا وحرمانا.
لخصت الاحتجاجات الصاخبة على مقتل «جورج فلويد»، حجم التدهور الفادح فى الصورة الأمريكية، مجتمع ممزق ومنقسم تتغلغل العنصرية فى مؤسساته، خاصة الأمنية والعدالة تجرى حسب العرق، حسبما قيل فى تأبين الضحية السوداء.
أمام الأزمتين الكاشفتين يطرح السؤال نفسه: ماذا قد يحدث غدا فى أمريكا؟
أول اختبار حقيقى، مدى قدرة النظام السياسى فى تجنب الانزلاق إلى فوضى ضاربة، أو حرب أهلية ثانية، تفضى إلى تفكيك الدولة.
بالوقت قد تخفت الاحتجاجات، لكن يظل الجرح ماثلا ومرشحا لانفجارات أكبر فى المستقبل إذا لم تدخل إصلاحات جذرية على مؤسستى العدالة والأمن.
وثانى اختبار حقيقى، مدى قدرة النموذج الأمريكى على ترميم صورته فى عين شعبه أولا وفى مرآة العالم ثانيا، وهذه مسألة صعبة للغاية تستدعى إجراءات قانونية وعملية تنفذ إلى صلب المشكلة فى اجتثاث العنصرية من عند الجذور.
وثالث اختبار حقيقى، مدى قدرة المؤسسة الأمريكية على تقبل فكرة الإصلاح الاجتماعى من داخلها.
أخطر ما قاله «جون بايدن» المرشح الديمقراطى للانتخابات الرئاسية المقبلة فى خطابه بذروة الاحتجاجات الشعبية على مقتل «جورج فلويد»: «إن التاريخ الأمريكى لم تصنعه وول استريت ولا البنوك».
بتكوين «بايدن» الفكرى والسياسى فهو ديمقراطى محافظ، وبمنطوق ما قاله فهو نوع من الاستجابة لتوجه غالب فى حركات الاحتجاج، وجماعات اليسار داخل الحزب الذى يتقدم باسمه للانتخابات الرئاسية.
المعنى أن الصراع الاجتماعى مرشح للتفاقم داخل الولايات المتحدة، وأن تطورا فكريا قد يلحق ببعض جوانب السلطة العليا فيها.
ورابع اختبار حقيقى، مدى استعداد أية إدارة أمريكية مقبلة على تقبل أنه لم يعد بوسع بلادها أن تقود العالم منفردة.
وهذه مسألة سوف تحكمها حقائق القوة وموازينها المتغيرة قبل أى شيء آخر.
وخامس اختبار حقيقى، مدى التغيير الذى قد يلحق بالسياسات الأمريكية فى قضايا الشرق الأوسط، حيث تضرب العنصرية الصهيونية شعبا أعزل، وتعمل على اقتلاعه من أرضه وضم ما تبقى منها، حتى يكاد الفلسطينيون أن يصرخوا، كما الأمريكى الأسود القتيل: «نحن أيضا نريد أن نتنفس».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ما قد يحدث غدًا فى أمريكا ما قد يحدث غدًا فى أمريكا



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت

GMT 03:31 2018 الأربعاء ,31 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي تواجه الخيانة الزوجية في "أبو العروسة"

GMT 12:21 2018 الخميس ,25 كانون الثاني / يناير

جائزة الـ30 مليون دولار "سباق القمر" تنتهي دون فائز
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt