بقلم: عماد الدين حسين
«لا أصدقاء لنا إلا الجبال والريح».. مقولة يرددها الأكراد كثيرا، لكن غالبية قادتهم لا يعملون بها. هذه المقولة صحيحة إلى حد كبير، بالنظر إلى الرهانات الخاطئة والخيبات الكبرى للقادة الأكراد، وآخرها العدوان التركى عليهم فى سوريا، وبيع أمريكا لهم مجانا.
يقول الأكراد لسنا سبب هذه الخيبات المتوالية، فقط نحن نبحث عن حقوقنا وتقرير مصيرنا، لكن الآخرين هم من يقمعوننا أو يخونوننا!
فى التاريخ الحديث وخلال المائة عام الأخيرة تعرض الأكراد للعديد من الخيبات والخيانات الإقليمية والدولية، والعامل المشترك فى كل ذلك أن قادتهم لا يتعلمون أو يتعظون!
بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية عقب نهاية الحرب العالمية الأولى «١٩١٤ ــ ١٩١٨» اقترب حلم الأكراد فى الحصول على دولة مستقلة، خصوصا أن معاهدة سيفر عام ١٩٢٠، نصت على حقهم فى الحصول على حق تقرير المصير، وتشكيل دولة خاصة فى شرق هضبة الأناضول. هذا الحلم تبخر مع انتصار مصطفى كمال أتاتورك فى تركيا، الذى قام بالضغط على الدول الكبرى، وتفريغ معاهدة سيفر من جوهرها، واستبدالها بمعاهدة لوزان عام ١٩٢٣، التى وضعت الأكراد تحت وصاية كل من تركيا وإيران ثم بريطانيا وفرنسا دولتى الانتداب على العراق وسوريا.
وفى عام ١٩٢٥ شن أتاتورك حملة قمعية على الأكراد، وأعدم الشيخ سعيد بيران زعيم هذه الانتفاضة وتكررت هذه الحملات، لاحقا بطرق مختلفة.
الخيبة الثانية الكبرى كانت فى ٢٢ يناير ١٩٤٦ حينما أعلن القاضى محمد مصطفى البرزانى قيام جمهورية مهاباد الكردية، انطلاقا من هذه المدينة الواقعة شمال غرب إيران، اعتمادا على مساعدة ودعم الاتحاد السوفييتى، الذى كانت علاقاته بإيران متوترة جدا، لكن حل الخلاف بين الدولتين، جعل الدويلة الجديدة تنهار بعد شهور قليلة من إعلانها!
فى عام 1974 طالب أكراد العراق بالحصول على عائدات نفط منطقة كركوك اعتمادا على الدعم الإيرانى، وتمردوا على الحكومة المركزية فى بغداد، لكن اتفاقية الجزائر عام ١٩٧٥ بين شاه إيران رضا بهلوى والرئيس العراقى صدام حسين بشأن شط العرب، أسقطت كل الرهانات الكردية وشن الأخير حملات قمع دموية ضدهم.
بعد انتصار ثورة آية الله الخومينى فى ايران عام ١٩٧٩، حاول حزب «الحياة الحرة» الكردى شن حرب استقلال عن إيران، لكن السلطات الإيرانية شنت حربا ضارية ضده وضد قواعده فى العراق، وأخمدت هذه الانتفاضة.
فى عام ١٩٨٤ بدأ صراع دموى بين السلطات التركية وحزب العمال الكردستانى بزعامة عبدالله أوجلان قتل فيه ٤٠ ألف شخص حتى عام ١٩٩٨.
وأدت التهديدات التركية إلى تخلى سوريا عن دعم هذا الحزب، وترحيل أوجلان من سوريا إلى روسيا ثم إيطاليا ثم اليونان وأخيرا كينيا، حيث تم اعتقاله هناك بعملية مخابراتية بمساعدة أمريكية إسرائيلية، وتسليمه للسلطات التركية فى فبراير 1999، وحكم عليه بالإعدام، ثم خفف الحكم لاحقا إلى السجن المؤبد فى جزيرة امرالى.
بعد هزيمة صدام حسين وإخراجه من الكويت عام ١٩٩١، تمردت الأحزاب الكردية ضده، وأعلنت حكما ذاتيا، لكن تغير موازين القوى أتاح للجيش العراقى شن حملة عسكرية ضخمة أدت إلى نزوح مليون كردى إلى دول الجوار، ثم حملة أخرى تالية سميت بالأنفال تمركزت أساسا على مدينة خليجية، وقيل إن صدام استخدم خلالها أسلحة كيميائية، مما أدى لمقتل نحو أربعة آلاف شخص وإصابة عشرة آلاف آخرين.
لكن دستور ٢٠٠٥ أقر حكما ذاتيا لأكراد العراق. والمفارقة أن الزعيم الكردى مسعود برزانى دعا إلى استفتاء لقيام دولة كردية مستقلة عام ٢٠١٧، لكن بغداد ودول الجوار رفضوا، ولم تقبل الأمم المتحدة الإشراف عليه وانتهى الامر بهزيمة سياسية قاسية لبرازنى ولمشروع الاستقلال.
فى مارس ٢٠١٨ شن الجيش التركى هجوما احتل به مدينة عفرين السورية بعد أن شكل الأكراد فيها إدارة ذاتية، وفى الأيام الأخيرة يحاول العدوان التركى بمساعدة امريكية إقامة منطقة أمنية تمتد بعمق ٣٢ كيلومترا وبطول الحدود لمنع نشوء دولة كردية مستقلة، وتوطين اللاجئين السوريين بتركيا فيها.
تلك هى فى عجالة التواريخ البارزة فى حياة الشعب الكردى طوال نحو مائة عام. هم يحاولون الحصول على دولة مستقلة، لكن الجغرافيا تحاصرهم وتعاندهم، والدول الأربع الكبرى تخشى هذه الدولة فتتحالف ضدهم، والقوى الكبرى تستخدم بعض قادتهم مثل مناديل الكلينكس للأسف الشديد.. ويبدو أن هذه الدائرة الجهنمية مستمرة حتى إشعار آخر!!