توقيت القاهرة المحلي 12:01:55 آخر تحديث
  مصر اليوم -

وهل كنا نعيش في المدينة الفاضلة؟!

  مصر اليوم -

وهل كنا نعيش في المدينة الفاضلة

بقلم - عماد الدين حسين

‎فى الأيام الأخيرة قرأت العديد من المقالات والعبارات التى تشير إلى معنى واحد وهو:

 


‎«إن العالم تغير بحيث إنه يركز على التجارة والأسواق، ولم يعد يعرف إلا لغة الأرقام، ونسى هذا العالم الحديث كل ما له صلة بالقيم الوطنية والسياسية والقومية والإرث الثقافى».
‎هذه هى الفكرة التى تتردد بكثرة على صفحات وسائل التواصل الاجتماعى، بل وبعض وسائل الإعلام التقليدى ويعتقد أصحاب هذه الأفكار أن النظريات السياسية  الجميلة التى صاغت القضايا وصنعت التاريخ وشغلت النخب والمفكرين وحركة المجتمعات اختفت لصالح حياة البزنس والربح والخسارة والتجويع والبيع والشراء والحصار.
‎ويختم أصحاب هذه الرؤية بالقول إن الاتجاه الجديد الفاقد للقيم الإنسانية يلاقيه الذكاء الاصطناعى الذى ألغى الحس فى التفكير لصالح الغش والتزوير.
‎الكلام السابق لا يخص شخصا أو مجموعة أو حتى بلدا عربيا واحدا، ولكنه يسرى كالنار فى الهشيم، ويمكنك أن تسمعه على المصاطب وأنصار حزب الكنبة وبعض خطباء دور العبادة، وصولا إلى بعض الإعلاميين والسياسيين. وهذا الكلام يجد هوى شديدا لدى الناس العادية فى العديد من الشوارع العربية.
‎لكن وإذا دققنا النظر فى هذا الكلام فقد نجد مفاجآت تنسفه من أساسه.
‎ ترديد هذا الكلام الآن يعنى أننا قبل سنوات أو حتى عقود قليلة كنا نعيش فى المدينة الفاضلة على مستوى العالم. والسؤال: هل هذا صحيح؟!
‎بالطبع الإجابة هى: لا قاطعة، لكن المشكلة أن عددا كبيرا من الناس فى كل زمان ومكان يحبون البحث عن شماعة جاهزة، واعتقادات تسهل لهم ما لا يجهد عقولهم.
‎ولا يخفى على أحد أن بداية ترديد وانتشار هذا الكلام جاء مع عودة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب للبيت الأبيض. وكأنه فى المرة الأولى ٢٠١٦ ــ ٢٠٢٠ كان يحلق بأجنحة فى عالم الملائكة الفردوسى!
‎وقد يقول البعض: ولكن نحن نقصد عصر ما قبل ترامب. والإجابة هى نفسها، فالذى جاء بعد ترامب كان جو بايدن الديمقراطى الذى فتح للعدوان الإسرائيلى كل خزائن المال وكل مخازن السلاح، وكل أنواع الفيتو فى الأمم المتحدة حتى يدك غزة تماما.
‎وكان هناك  باراك أوباما، ورغم أنه كان معتدلا نسبيا مقارنة ببايدن وترامب، إلا أن جوهر سياسات بلاده لم يتغير. فلم يوقف تصدير السلاح لإسرائيل وتقديم كل أنواع الدعم. قبلهما كان جورج بوش الابن الذى دمر أفغانستان والعراق فى عهد «المحافظين الجدد» الأكثر صهيونية من إسرائيل. وقبل كل هؤلاء فإن كل رؤساء الولايات المتحدة انحازوا دوما لإسرائيل على حساب الحقوق العربية.
‎لا أريد فقط أن أدلل على صحة كلامى عبر استعراض سياسات الرؤساء الأمريكيين السابقين، ولكن ما لا يدركه كثيرون هو أن العالم يقوم بالأساس على منطق المصالح ومنطق القوة، بل وفى مرات كثيرة على منطق الغابة. قد تتحسن الأمور فى بعض الفترات القليلة نحو الهدوء والاستقرار، لكن هذا تغير فى الدرجة، وليس فى الجوهر.
‎وحتى لا نظلم ترامب، فإنه لم يكن هو من اخترع فكرة التهديد بفتح أبواب الجحيم على خصومه وأعدائه، بل إن ذلك يحدث منذ بدء الخليقة وأغلب الظن سوف يستمر إلى قيام الساعة.
‎من يتأمل تاريخ البشرية، ومن يقرأ ملحمة قصة الحضارة، لـ«ول ديورانت» ومن يقرأ «صعود وسقوط الامبراطوريات»، لبول كيندى، وغيرها من الكتب التى تناولت الصراعات الكبرى، عبر التاريخ سوف يكتشف بسهولة أن الإمبراطوريات الكبرى قامت بالأساس على منطق القوة الغاشمة وليست الناعمة، وآخر إمبراطورية كانت البريطانية التى وصفها البعض بأنها «لا تغرب عنها الشمس»، تأسست بالفتوحات العسكرية وبالاحتلال العسكرى المباشر، والأمر نفسه ينطبق على الإمبراطورية الفرنسية، فرغم أن نابليون بونابرت جاء بالمطبعة والعلماء، إلا أن عدته الأصلية كانت القوة العسكرية.
‎إسرائيل نفسها تم زرعها بالقوة الغاشمة منذ وعد بلفور عام ١٩١٧، مرورا بالنكبة عام ١٩٤٨ ونهاية بالعدوان المستمر منذ ٢٠٢٣.
‎كل الإمبراطوريات الكبرى تقوم على القوة الخشنة، ولكن بعضها يجمل ذلك ببعض القشور الإنسانية أو العلمية والدعاوى والتبريرات الأخلاقية.
‎وقد رأينا أن كل مساحيق التجميل سقطت عن وجه العديد من الحكومات الغربية التى بررت ودعمت العدوان الإسرائيلى الأخير.
‎الخلاصة، أننا لا نعيش فى «المدينة الفاضلة» بل فى عالم تحكمه بالاساس القوة الشاملة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

وهل كنا نعيش في المدينة الفاضلة وهل كنا نعيش في المدينة الفاضلة



GMT 09:56 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ردّة أخلاقية

GMT 09:55 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

أميركا... ثقافة قديمة وعادية

GMT 09:53 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

عن الحالتين الفلسطينية والسودانية

GMT 09:52 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... جولة جنوبية للطمأنة

GMT 09:50 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

تشخيص طبيعة الصراع بين أميركا وإيران

GMT 09:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

لبنان... المطلوب إصلاح جذري قبل الانتخابات

GMT 09:45 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

هل ينجح ترمب في تفكيك قنبلة نتنياهو؟

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:39 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الثور السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:38 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحمل السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:27 2025 الخميس ,21 آب / أغسطس

زعماء مصر في مرآة نجيب محفوظ

GMT 07:29 2025 الجمعة ,04 إبريل / نيسان

أهمية الإضاءة في تصميم الديكور الداخلي

GMT 05:47 2017 الخميس ,07 كانون الأول / ديسمبر

حفل زفاف مصطفى فهمي وفاتن موسى بعد عامين من الزواج

GMT 17:37 2021 الأربعاء ,18 آب / أغسطس

محمد رمضان يطرح أحدث أغانيه" على الله"

GMT 09:37 2021 الأحد ,11 إبريل / نيسان

جولة في منزل فاخر بنغمات ترابية دافئ الديكور

GMT 10:10 2021 الثلاثاء ,26 كانون الثاني / يناير

تنفيذ المستشفى الجامعي و7656 شقة إسكان اجتماعي بسوهاج الجديدة

GMT 03:03 2019 الأحد ,17 تشرين الثاني / نوفمبر

رحلة خيال تحجب متاعب الواقع في معرض دبي الدولي للسيارات

GMT 21:50 2019 الإثنين ,19 آب / أغسطس

زوجة تقتل "حماها" لتحرشه بها في المقطم

GMT 00:06 2018 الإثنين ,10 كانون الأول / ديسمبر

غراتان المأكولات البحرية مع الشبث

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt