توقيت القاهرة المحلي 03:53:25 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قَصيدَتُها ومَلحَمته

  مصر اليوم -

قَصيدَتُها ومَلحَمته

بقلم: سمير عطا الله

عام 1948 أصدر نزار قباني ديوانه الشعري الأول «قالت لي السمراء»، معلناً نفسه شاعر النساء وفارس العشق. لم يكن الغزل جديداً على الشعر العربي، فهو هناك منذ الجاهلية مروراً بالعصرين الأموي والعباسي. لكن الجديد عند نزار كان تجاوز الجميع بمن فيهم مثاله ونموذجه عمر بن أبي ربيعة. تخطى نزار بصورة خاصة شعراء زمنه في تلك المرحلة، خصوصاً الذين كان يُعجب بهم من أحمد شوقي إلى الأخطل الصغير إلى سعيد عقل. فالسادة المشار إليهم حافظوا على الكثير من الخَفَر وتجنبوا الإباحة، والتزموا إلى حد بعيد قواعد الشعر العذري حيث العاشق ملهوف ومهزوم ومُحاصر. أما نزار فقد استلّ السيف من غمده وراح يحارب طواحين النساء من شوارع مدريد إلى أقبية باريس.
وبعكس المحافظين من ذلك السرب الكبير لم يتردد في التأثر بالشعر الأجنبي، وتحديداً قصائد جاك بريفير ورَنبو وبودلير، وكان خصب القريحة ومكثاراً، يتعاطى مع النظْم وكأنه واجب يومي مثل الوظيفة الحكومية. وعندما حلت نكسة 1967 خلع نزار عن كتفيه رداء عمر بن أبي ربيعة ونزل إلى ساحة الهزيمة مغواراً لا يلوي على شيء. وأثار في تحفته المطولة «دفاتر النكسة» غضب الأنظمة وحماس الشعوب. وما بين النثر والشعر كوّن لنفسه صورة جديدة في الثقافة العربية. ولم يعد مجرد شاعر جامح غزير الموهبة وكثير الإنتاج وكثير العطاء، بل أصبح شاهداً من شهود الضمير العربي والحلم العربي وما أصابهما من خيبة ظلماء.
خلف صورة الشاعر الوسيم المتهتك، كان هناك نزار العاقل المتزن الأديب والزوج شبه المثالي. بعد وفاة زوجته الأولى تعرف إلى «إحدى ملكات بابل»، بلقيس الراوي. ولم يدم الزواج طويلاً، إذ تدخلت المأساة على نحو كارثي لتسرق من الشاعر حبّه وحلمه. كانت بلقيس الراوي تعمل في الملحقية الثقافية بسفارة العراق في بيروت. وفي ديسمبر (كانون الأول) 1981 تعرضت السفارة لهجوم انتحاري سقط فيه 60 قتيلاً كان بينهم بلقيس الراوي قباني.
تحول شاعر المرأة إلى شاعر امرأة واحدة. وسمّى نزار مرثيتّه «قصيدة بلقيس»، باعتبارها منفصلة عن كل ما كتبَ وما سوف يكتُب. وقال لها: «ها نحن نبحث بين أكوام الضحايا... عن نجمة سقطت... وعن جسد تناثر كالمرايا...».
لكن الشاعر المهزوم حتى الموت، لا يلبث أن يتذكر عنفوانه وعنفوان بلقيس: «وأقول... إن عفافنا عُهْرٌ... وتقوانا قذارة...».. تُرى هل كتب نزار قبل «قصيدة بلقيس»؟ هل كتب بعد «قصيدة بلقيس»؟ كلما عدت إلى ذلك الساحر الذي حوّل الشعر العربي إلى نزهة في الحدائق بين الزهور والأشجار، أيقنتُ أن «قصيدة بلقيس» هي ملحمته الأولى والأخيرة. فلما شق النرجسي التيّاه، الذي كان يكتفي بِرش العطر على القوافي، يقف هنا إنساناً يائساً وحزيناً أمام حكاية عمره وأمّته. لم تعد النكسة في سيناء، بل دخلت بيته وخطفت منه أجمل ملكات بابل: «ها نحن... يا بلقيس... ندخل مرة أخرى... لِعصر الجاهلية... ها نحن ندخل في التوحش... والتخلف... والبشاعة... والوضاعة... ندخل مرة أخرى عصور البربرية».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قَصيدَتُها ومَلحَمته قَصيدَتُها ومَلحَمته



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt