توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحصار

  مصر اليوم -

الحصار

بقلم : سمير عطا الله

منذ أن تفرغ أمين معلوف للتأليف، قسم عمله إلى قسمين: عام يمضيه في باريس؛ حيث يهيئ البحث المتعلق بالكتاب، وعام يمضيه في كتابته في جزيرة «راي» بعيداً عن كل شيء وعن كل أحد. التقيته عام 2011 – عام «الربيع العربي» - وسألته في أي طور هو، باريس أم الجزيرة؟ فقال: لا جزيرة هذه السنة. حتى لو ذهب إلى آخر العالم، فلن يكون قادراً على التوقف عن متابعة الأحداث؛ لأنها سوف تلاحقه إلى أي مكان.
عدت فقرأت الكلام نفسه عند كبار كتاب العالم: ألماناً وفرنسيين ونمساويين وسواهم. الكاتب، أو الفنان، لا يستطيع أن يعزل نفسه كما لو أنه عالم في مختبر، أو مهندس يرسم خريطة مبنى. هو في قلب الأزمات الكبرى كالتي نمر بها اليوم. هدوء العالم كله مهدد. ولا يفيد أن تكون على جزيرة نائية وبلدك وشعبك وأمتك في اضطراب.
كان النمساوي ستيفان زفايغ يقول خلال فترة الثلاثينات: كيف لي أن أنصرف إلى أبطالي، وأي رجل ألتقيه في الشارع قضيته أهم من قضاياهم؟ الرجل الواقف أمام أي قنصلية تقبل بمنحه تأشيرة. المسافر على باخرة إلى حياة مجهولة. الخائف من أن يفقد عمله غداً وما زال أبناؤه في سن الطفولة.
خلال «الربيع العربي» ظهر كثيرون من المثقفين والكتاب والمفكرين. وبرزت نخبة غير قليلة من المبدعين. والذي هُزم هو الربيع، وليس هم. هُزمت شعوب بأكملها، ولم يعد ممكناً أن يبقى المثقفون وحدهم في هذا الموت والخراب. يقول أردين أدمان إنه في الأزمات الكبرى لا يعود في إمكان الكاتب البقاء في برجه العاجي: «لا يعود قادراً على الامتناع عن قراءة صحيفته، والإصغاء إلى نشرات الأخبار، والاستماع إلى التحليلات، حتى تلك التي يعرف أن أصحابها بلا قيمة أو معرفة».
يروي ستيفان زفايغ أنه كان قد أمضى عشرين عاماً في العمل على كتابه عن الروائي الفرنسي بلزاك، عندما بدأت الفاشية تنتشر في أوروبا. ثم فجأة لم يعد قادراً على المضي فيه. لقد دخلت القارة في مزيج من الكآبة والخوف، وفقدت الأشياء أهميتها، وتحللت الروابط والإنسانيات. وأسوأ ما يتأتى عن المزاج العام في هذه الحالات هو السقوط الأخلاقي في كل أشكاله، ولا تعود المقاييس والمعايير هما عند الناس، ويفكك العنف والفقر والبطالة العائلات، وينشر تجارة الرق والمخدرات، وتظهر طبقات من الحثالة على سطح المجتمع، وتهون الضوابط والأعراف.
في مثل هذه الحالات، ماذا يبقى من أهمية للعمل الفردي والأمل الفردي وألم الأفراد؟ ماذا يبقى عندما يعيش ألوف البشر في الخيام تحت المطر وفوق الوحل، وفي قلب الجوع واليأس؟ أقرأ الآن بعض مثقفي «الربيع العربي» وأحزن. ليس على الربيع؛ بل عليهم وعلى آمالهم وعلى هزيمتهم الكبرى. كأنهم يكتبون من عالم آخر وزمن آخر ولشعب آخر.
تهزم الحروب كل القيم عندما يصبح النصر هو القتل، وحجم النصر هو حجم القتل. وأنت تقيم الاحتفالات ابتهاجاً بما دمرت وقتلت. ومن ثم تتأمل هذا العالم بكل صواريخه وطائراته ودباباته وأساطيله، فإذا هو هارب مثل أرنب من جرثومة لم يتمكن حتى الآن من رؤيتها إلا في الرسوم المتخيلة.
يُهزم المثقف أمام الجلاد والفتوات والجلاوزة الصغار؛ لكنه يبقى ويذهبون. وبعدما يمر الظلام يبقى لهذا العالم أولئك الذين أرغمتهم حروب الجلاوزة على التوقف عن الكتابة، ثم عادوا فكتبوا. زفايغ أكمل تحفته عن بلزاك، وأمين معلوف أكمل رائعته «مقعد على السين».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحصار الحصار



GMT 21:05 2025 الثلاثاء ,04 آذار/ مارس

ترامب وزيلنسكى.. عودة منطق القوة الغاشمة!

GMT 20:35 2025 السبت ,08 شباط / فبراير

48 ساعة كرة قدم فى القاهرة

GMT 20:18 2024 الأربعاء ,18 كانون الأول / ديسمبر

مؤتمر الصحفيين السادس.. خطوة للأمام

GMT 14:59 2024 الثلاثاء ,03 أيلول / سبتمبر

مشاهد مُستَفِزَّة.. “راكبينكم راكبينكم..”!

GMT 06:36 2024 الأحد ,25 آب / أغسطس

… لأي قائمة يسارية ديمقراطية نصوت ؟!

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة

GMT 10:22 2014 الجمعة ,12 كانون الأول / ديسمبر

الحب يطرق أبواب مواليد برج "القوس" هذا الأسبوع

GMT 02:21 2026 الأربعاء ,11 آذار/ مارس

الإفراط في إطعام الطفل خطأ شائع يؤثر على صحته
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt