توقيت القاهرة المحلي 05:51:52 آخر تحديث
  مصر اليوم -

البحث عن الجنة فى زمن السوق

  مصر اليوم -

البحث عن الجنة فى زمن السوق

بقلم - محمد صابرين

 كل شيء يتغير بسرعة، وبات الكثيرون يشعرون بالغربة عن واقعهم، بل أزمنتهم، وحتى عوالمهم. وهذه أمور إنسانية، وأكثر الذين يشعرون بالغربة هم الكتاب، وآخرون شاء حظهم أن يهتموا بالشأن العام، وأن يهتموا بما هو أكبر من ذواتهم. إلا أن كثيرا من هؤلاء وأولئك لم يدركوا أن ما يقومون به قد «لامس أرواحا»، أو شكل حيزا ضئيلا من الوعي، أو الضمير. وأحيانا كثيرة يشعر الكاتب «باللا جدوى»، وفى أغلب الأحيان لا يتم الاحتفاء سوى بالموتى، ولحظتها لن تصل إليهم أى أخبار. والظاهرة تعيد اختراع نفسها هذه الأيام من خلال الكاتب أحمد خالد توفيق الذى رحل فجأة، الرجل الذى ودع الحياة فى مستشفى حكومي، ولم تسنح له الفرصة لنيل أى جائزة فى بلده وكرمته الشارقة، والآن اكتشفنا فجأة مع رحيله أحد أبطال الناس، وكاتبا لامست كتاباته أرواح وعقول أجيال شابة رأت فيه بطلها الذى قال كلماته ومضي. ولقد رثى الرجل نفسه قبل ساعات من وفاته: «وداعا أيها الغريب، كانت اقامتك قصيرة، لكنها كانت رائعة. عسى أن تجد جنتك التى فتشت عنها كثيرا.. وداعا أيها الغريب كانت زيارتك رقصة من رقصات الظل.. قطرة من قطرات الندى قبل شروق الشمس، لحنا سمعناه لثوان من الدغل ثم هززنا رءوسنا وقلنا اننا توهمناه.. وداعا أيها الغريب، لكن كل شئ ينتهي». وربما انتهت حياة كاتب، إلا أن الغربة والبحث عن الجنة لم ولن ينتهى سواء فى مصر أو عالمنا العربي، أو العالم بأسره. فالأمر الثابت الوحيد هو «التغير»، واننا نعيش زمنا يفاجئنا كل لحظة، بل ربما يمكن القول براحة ضمير «نحن نعيش فى أزمنة السوق، وتحكمنا قواعد السوق المتوحشة، وحيث كل شيء بثمن، وكل شيء للبيع، وحيث لا توجد أجوبة شافية، وحيث لا مجال لجواب واحد يعالج كل الناس، ويفسر كل الأشياء». والأهم خيار مرير: إما أن تنضم فى الصف، وتلعب وفقا لقواعد اللعبة، أو تخرج بعيدا عن الواقع الجديد.. وتصبح «كائنا غير قابل للاندماج». وأحسب أن جزءا كبيرا من المشهد الحالى فى العالم العربى ومصر فى القلب منه ـ يتعلق بعملية التغير السريعة، وبانهيار الكثير من «المشروعات الكبري» فى الخيال الشعبي، مثل مشروع «حركات الإسلام السياسي»، فضلا عن سقوط الكثير من الأقنعة، والأهم تكشف الكثير من «الألعاب السياسية» التى استخدمت «ورقة التدين»، ورفعت شعارات الدين لأغراض سياسية. ووسط هذا كله، وبعد سنوات من الفوضى الخلاقة والانتفاضات العربية، فإن الكثيرين مثل أحمد خالد توفيق لديهم حاجة، ويحركهم أمل «لعل وعسى أن يجد جنته»، كما أن منهم مثله «لا يخاف الموت.. ولكن يخاف أن يموت قبل أن يحيا». ترى هل يمكن أن نجد «خيطا رفيعا» يربط ما بين هذا كله؟!

وأحسب أن المسألة صعبة، وذلك لأن حجم الصدمات كبير للغاية، ويتساقط فوق رؤوس وعقول البعض الكثير من الأحجيات بسرعة أكبر من قدرتهم على الدهشة والفهم. والمدهش أن ولى عهد السعودية الأمير محمد بن سلمان هو من يزلزل «أمورا كثيرة» استقرت، ولعل من أبرزها وضعه جماعة الإخوان التى احتضنتها بلاده طويلا ضمن «محور الشر»، وذلك فى سلة واحدة مع إيران وحزب الله والجماعات المتطرفة. إلا أن بن سلمان اعترف فى حواره المهم مع مجلة «أتلانتيك» الأمريكية بأن بلاده استخدمت حركة الإخوان كورقة لمحاربة الشيوعية، التى كانت تهدد أوروبا وأمريكا والسعودية نفسها أثناء الحرب الباردة، ووصف نظام الرئيس جمال عبد الناصر بأنه كان «شيوعيا»، كما نفى وجود «الوهابية» فى المملكة، وأكد أن هناك أربعة مذاهب سنية. وفى الوقت ذاته أنكر أى دعم مالى سعودى للإرهابيين، ومنظماتهم المتطرفة، ولكنه اعترف بأن بعض الشخصيات السعودية فى المملكة مولت بعض هذه الجماعات، دون أن يحددها. وقبل أن يطوى العام الماضى أوراقه ويرحل، فقد اعترف رئيس وزراء قطر حمد بن جاسم بأن ما دفع للحرب على سوريا تجاوز الـ 150 مليار دولار، وكان بتنسيق مع الولايات المتحدة ودول أخرى أوروبية وعربية. وهنا يشعر المواطن العادى بالدوار، ولا يملك القدرة على «ترتيب هذه الأشياء» التى تتساقط فجأة فوق رأسه، حيث يدرك فجأة أن هذه الحركات والتنظيمات والمشروعات الإسلامية كانت «أدوات على رقعة الشطرنج» فى لعبة أمم كبري، وأن كل شيء فى الحرب «مباح» حتى اللعب «بورقة التدين»، واخضاع تفسير المقدس «لأهواء وأغراض سياسية»، وأن «أمراء الإرهاب» لم يطلبوا «جنة الآخرة»، بل سعوا وراء «جنة الدنيا» بسلطة الحكم ونفوذه وامتيازاته، وأن الأفراد العاديين دفعوا إلى «جهنم الحرب» التى كانوا وقودها، ولم يعرفوا القصة ولا بداياتها، ولا نهايتها إلا الآن فى لحظة تتهاوى فيها أشياء كثيرة!

>>>>>

وأحسب أن «أقنعة كثيرة» سوف تسقط، ووجوها أكثر سوف يتم الكشف عن «أدوارها» مثل حسن البنا ومحمد بن عبد الوهاب والشيوخ الجدد وغيرهم. وفى كتاب مهم بعنوان «اسلام السوق» للباحث السويسرى باتريك هايني، الذى يلقى الضوء على تحولات نوعية حدثت فى مسيرة التدين، وهو يتبنى وجهة نظر الباحثين الفرنسيين أوليفيه روا وجيل كيبيل عن فشل الصحوة الإسلامية، وفى القلب منها الحركات الإسلامية، فى تقديم نموذجها النقى للمجتمع. وأحسب أن ما تكشف ـ ولايزال ـ عن هذه الحركات، وممارساتها وحده كفيل «بتقويض» دعاوى أمراء الإرهاب. إلا أن الباحث اهتم بما سماه «ظهور خطاب إسلاموى جديد لا يعد بطوبيا أخيرة، خطاب ينبثق عند نقطة التقاء بين «نظريات الإدارة» الأمريكية، وأدبيات التحقق الفردي، حيث الأولوية هى للفاعلية، والنجاح الإدارى وليس للبديل الحضاري». ويرصد الكاتب أمزجة الطبقة الوسطي، وهى الأمزجة ذات الطابع الصوفي، الهجين، والقريب من ثقافة «الأجيال الجديدة» فى العالم. باختصار الاعتماد الصريح أو الضمنى على فلسفة السوق، والتى تتلخص فى التركيز على الفرد لا الجماعة، وسيادة منطق الانفتاح الثقافي.

ويبقى أن حالة الغربة والاغتراب سوف تطول كثيرا، وسيظل المواطن العادي، مثل الكتاب والنخبة فى حالة بحث عن «الفردوس» الذى يوفر الأمن والطمأنينة، والعدالة. وأحسب أن الكاتب الراحل حاول أن يقدم رؤيته، وأن يأخذ القراء إلى عوالم بعيدة، وأن يقدم «أجوبة» على الكثير من الأسئلة المعلقة فى الهواء. إلا أن الواقع العربى المضطرب يبدو فى أشد الحاجة لمن يقدم «رؤية معاصرة»، و«أملا حقيقيا» على أرض الواقع لملايين الشباب الذين سقطوا ضحية جماعات الموت، ولأمراء الإرهاب، والجماعة المحظورة. وأيضا يقدم نموذجا ورؤية لهؤلاء الذين اختاروا أن يموتوا أمام سواحل أوروبا، بالإضافة إلى الكثيرين الذين مازالوا فى بلدانهم فى انتظار أن يتحقق الأمل، وأن تنتصر «الكفاءة» على كل ما عداها، وأن يتنفسوا ولو من بعيد رياح «جنتهم» على الأرض فى زمن السوق.

نقلا عن الاهرام القاهرية

المقال يعبّر عن رأي الكاتب وليس بالضرورة رأي الموقع

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

البحث عن الجنة فى زمن السوق البحث عن الجنة فى زمن السوق



GMT 20:57 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

المفتاح الأساسي لإنهاء حرب السودان

GMT 20:53 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عفونة العقل حسب إيلون ماسك

GMT 20:49 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

أميركا تناشد ‏الهند وباكستان تجنب «الانفجار المفاجئ»

GMT 20:45 2025 الخميس ,11 كانون الأول / ديسمبر

عودوا إلى دياركم

GMT 09:44 2025 الخميس ,13 تشرين الثاني / نوفمبر

من زهران إلى خان... كل منهما محكوم بالأسطورة القديمة

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 06:47 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية
  مصر اليوم - موسكو تحت الثلوج وجهة مفضلة لعشاق السياحة الشتوية

GMT 06:06 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل
  مصر اليوم - ديكورات تجمع الأصالة والروح الرمضانية في المنزل

GMT 04:17 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني
  مصر اليوم - زيلينسكي يعلن إعادة هيكلة الدفاع الجوي الأوكراني

GMT 09:05 2026 الثلاثاء ,10 شباط / فبراير

زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء
  مصر اليوم - زيت الزيتون ومرق الكوارع وتأثيرها على الأمعاء

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"

GMT 22:51 2019 الخميس ,12 كانون الأول / ديسمبر

ناشئو تنس الطاولة في الأهلي يحصدون المراكز الأولى

GMT 05:42 2026 الأربعاء ,14 كانون الثاني / يناير

مواعيد الصلاة في مصر اليوم الأربعاء 14 يناير / كانون الثاني 2026
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt