توقيت القاهرة المحلي 07:26:50 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الأزمة التي تواجهها فكرة المقاطعة الاقتصاديّة اليوم

  مصر اليوم -

الأزمة التي تواجهها فكرة المقاطعة الاقتصاديّة اليوم

بقلم: حازم صاغية

بسبب «كورونا»، استقطب التداخل بين اقتصادات العالم اهتماماً غير مسبوق. الملاحظة التي تتكرّر اليوم كأنّها بديهة تتناول تراجع معدّلات النموّ في الصين وآثاره على أسعار النفط انخفاضاً، وأسعار الذهب ارتفاعاً. هذا بدوره سينعكس على بلدان وقطاعات اقتصاديّة عدّة، وعلى ملايين كثيرة تضاف إلى مئات ملايين الصينيين. فالديون المتراكمة ضربت شركاتهم التي يزداد عجزها عن دفع أجور عمّالها وثمن ما تستورده من موادّ. ملايين المعامل الصغرى والمتوسّطة باتت مهدّدة بالإفلاس...
«كريستيان ساينس مونيتور» عدّدت بعض أوجه التداخل بين اقتصاد الصين واقتصادات أخرى: في كمبوديا، تعتمد معامل النسيج على الصين فيما يزيد على نصف موادّها الأوَّليَّة. لهذا قد يُجبر بعض تلك المعامل على الإغلاق. في أستراليا، جزء كبير من الصادرات، من الغاز الطبيعي إلى اللحم والموادّ السمكيَّة، يذهب إلى الصين، ما يعني أنَّ أي تباطؤ يصيب الاقتصاد الصيني سينعكس بقوّة على الطلب من أستراليا. صانعو السيّارات في العالم يتخوّفون من الارتدادات السلبيّة: «نيسان» في اليابان و«هيونداي» في كوريا الجنوبيّة اضطرّتا إلى خفض الإنتاج بسبب نقص القِطَع التي تورّدها إليهما الصين. في أوروبا، أغلقت «فيات كرايزلر»، ولو مؤقّتاً كما قالت، أحد معاملها في صربيا للسبب نفسه. «جاغوار لاندروفر» حذّرت من أنّها قد تواجه مشكلة في الإمدادات إذا استمرّت الأزمة الصينيّة في الأسابيع المقبلة. وممن تأثّروا أيضاً شركات الكومبيوتر والإلكترونيّات للتقنيّة الرفيعة، بما فيها «آبل» التي يعتمد إنتاجها لـ«الآيفون» على معامل وموادّ صينيّة. ما زاد الأمر سوءاً أنّ مخازنها للبيع بالمفرّق أُغلقت، والمعروف أنّ الصين هي اليوم أكبر سوق في العالم لتليفونات «آبل» الذكيّة. أمّا في بريطانيا، فمعمل «بيربيري» للألبسة الفاخرة يدفع ثمن انهيار فروعه الصينيّة في الأسابيع القليلة الماضية، ويُقدّر حصول مزيد من الانهيار في حال انكماش الزوّار الصينيين في الخارج.
الصورة الأكبر، كما تستخلص «كريستيان ساينس مونيتور»، أنّ النموّ الاقتصادي العالمي سيتأثّر بالتأكيد، بعدما بدأ يتنفّس الصعداء إثر انخفاض حدّة الحرب التجاريّة بين أميركا والصين.
تداخل العالم اقتصادياً، مقابل مزيد من تنافره الثقافي والسياسيّ، وجد انطلاقته الكبرى مع العولمة أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات. انهيار المعسكر السوفياتي في نهايات ذاك العقد أعطى دفعة كبرى للوجهة هذه: بدل دعوات القطيعة مع النظام الرأسمالي العالمي صار المطلوب الاندماج فيه. نظريّات تقليص العلاقة بالخارج والاتّكال على الذات والاستغناء عن الاستيراد بالتصنيع المحلّي انهارت. في «العالم الثالث» كانت أفكار العزلة والتخلّص من «التبعيّة»، تنهار أيضاً. أزمة المديونيّة في أميركا اللاتينيّة، حيث ازدهرت خصوصاً تلك الأفكار، لعبت دوراً في ذلك، وفشلُ التجارب المشابهة التي يُفترض أن يقوم التعاون والتبادل معها لعب دوراً مكمّلاً.
بلدان آسيا الشرقيّة، في المقابل، كانت تطوّر الوجهة الأخرى التي كُتب لها الفوز: إنّها «التصنيع عبر التصدير». وتيمّناً بالسابقة اليابانيّة، ارتفع شعار: المطلوب ليس القطيعة بل الاندماج. «السوق القوميّة» غدت أسطورة، والمهمّ فتح الحدود و«غزو» البلدان المتقدّمة بسلع تشابه سلعَها إنّما أرخص منها بكثير. الآسيويّون الشرقيّون تجاوزوا اليابانيين في أنّهم لم يفرضوا أي حماية من أي نوع. الاعتماد على رخص اليد العاملة في بلدانهم كان مصدر الحماية الذي عوّلوا عليه.
هكذا تداخلت الأسواق وتداخلت السلع وتركيبها، وبات من ينوي أن يعاقب طرفاً يعاقب أطرافاً أخرى، وقد ينتهي به المطاف إلى معاقبة نفسه.
أفكار المقاطعة الاقتصاديّة تفقد، والحال هذه، معظم جدواها. مَثَل جنوب أفريقيا الذي يُضرب برهاناً على نجاح المقاطعة يختلف: الدعوة الشعبيّة إلى مقاطعة النظام العنصري السابق كانت قد بدأت، في بريطانيا، قبل أكثر من نصف قرن. لكنّها لم تتحوّل إلى واقع فعلي إلا أواسط الثمانينات. السبب تولّي ميخائيل غورباتشوف، مطالع 1985. الأمانة العامّة للحزب الشيوعي السوفياتيّ. بعد أشهر باشر بسحب قوّاته من أفغانستان. الاسترخاء سريعاً ما ظهر على جبهات الحرب الباردة. الحكومات الغربيّة التي كانت حريصة على قوّة جنوب أفريقيا، كحليف في مواجهة موسكو المتمدّدة أفريقيّاً، صارت أكثر اهتماماً بعنصريّة جنوب أفريقيا ومحو تلك اللطخة. الاستجابة السريعة للمُستجدّ الكبير أبدتها دول المجموعة الأوروبيّة ودول الكومنولث التي فرضت عام 1985 بعض العقوبات. الكونغرس الأميركي أصدر في 1986 المرسوم المناهض للتمييز العنصريّ، فارضاً عقوبات أوسع لا تُرفع إلا إذا استجابت جنوب أفريقيا لخمسة شروط كفيلة بتفكيك نظامها. رونالد ريغان حاول أن يتصدّى للكونغرس وفشل. في العام نفسه، جاءت الضربة القاضية من مجلس الأمن الذي منع الاستثمار في جنوب أفريقيا. القرار عُدّ ضغطاً على النظام العنصري كي يتفاوض على تفكيك نفسه.
بمعنى آخر، كان اتفاق العالم كلّه بلا استثناء، وخصوصاً البلدان الغربيّة، شرطاً لفاعلية المقاطعة. ثمّ إنّ هذا ما حصل قبل 35 سنة حين كان التداخل الاقتصادي أضعف كثيراً مما هو اليوم. الآن، يمكن للمقاطعة أن توجع قليلاً، لكنّ نجاحها مرهون بوجود نظام ككوريا الشماليّة لا يعبأ أصلاً بالعالم.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأزمة التي تواجهها فكرة المقاطعة الاقتصاديّة اليوم الأزمة التي تواجهها فكرة المقاطعة الاقتصاديّة اليوم



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt