توقيت القاهرة المحلي 10:51:40 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أبعد من ردّ عسكريّ!

  مصر اليوم -

أبعد من ردّ عسكريّ

بقلم: حازم صاغية

تعاقبت الردود الإيرانيّة غير الموفّقة على مقتل قاسم سليماني ورفاقه. جنازته التي أريد لها أن تكون ردّاً جماهيريّاً مُدوّياً على الأميركيين انتهت إلى مأساة إنسانيّة. الصواريخ التي أُطلقت على موقعين عسكريين أميركيين لم تقتل أحداً. رواية الثمانين قتيلاً أميركيّاً التي عُممت وتلاها اتّهام واشنطن بإخفاء قتلاها، ما لبثت أن سُحبت من التداول. الحجج التي ذُكرت في التمييز بين قتل الجنود وإصابة المواقع أقنعت سامعيها بقدر اقتناع أصحابها بها. كارثة الطائرة المدنيّة الأوكرانيّة صار من شبه المؤكّد أنّها أهمّ ما أنجزته الصواريخ.
الردود الكلاميّة على الأميركيين كانت أقوى. اللسان بدا أنشط من الذراع. العبارات التي نُقلت عن المرشد علي خامنئي وعن بعض القادة العسكريين في إيران، والتصريحات الملتهبة التي أدلى بها صحافيّون وسياسيون و«استراتيجيّون» عرب تابعون لطهران، فاقت الصواريخ التعيسة صاروخيّة. لقد وعدتنا بردّ يُنهي الوجود الأميركي في المنطقة ويمهّد لما لا يقلّ عن تحرير فلسطين وإزالة الدولة العبريّة. بالمناسبة، كان هذا خطأ «تكتيكيّاً» فادحاً، إذ رَفَع سقف التوقّعات إلى حدّ يعجز أي ردّ جدّي عن اللحاق به. كيف، إذاً، والردّ لم يكن جدّيّاً؟
لقائل أن يقول: لكنّ إيران ستردّ بعد حين، وسوف يكون ردّها مؤلماً للأميركيين. ربّما. لكنّ ما حصل حتّى الآن، وقبله تراث الردود المشابهة التي عرفناها في تاريخ المنطقة الحديث، يقطعان بضرورة المراجعة لفكرة «الردّ». إنّها أبعد من عمل عسكري، فاشلاً كان أو ناجحاً. هي أبعد في الخلفيّات التي تتحكّم بها، وأبعد في النتائج التي تفضي إليها.
بلغة أخرى، ومنذ عشرات السنين، نحن موعودون بـ«ردّ» على الغرب وأميركا: «ردّ حضاريّ». «ردّ ثقافيّ». «ردّ اقتصاديّ». «ردّ سياسي وعسكريّ». البعض يريد أن يردّ على السنوات الإمبرياليّة في الـ150 سنة الأخيرة، وفي القلب منها نشأة إسرائيل عام 1948. بعض آخر تذهب به الرغبة إلى الحروب الصليبيّة والصراع على إسبانيا – الأندلس. التواريخ المختَلف عليها ليست مهمّة. الحماسة الجامعة هي المهمّة.
طلب «الردّ»، الذي تطمح الأعمال العسكريّة لأن تكون ترجمته التنفيذيّة، هو من أكثر الأفكار التي تناولها ودار عليها الفكر العربي والإسلامي منذ «عصر النهضة». مع هذا، لم يتحقّق أي نجاح حقيقي على أيٍّ من جبهات الردّ العتيد. ما حصل كان بالعكس تماماً: لقد بتنا أسوأ «حضاريّاً» وثقافيّاً وسياسياً واقتصادياً وعسكريّاً دفعة واحدة. التقهقر هو وحده ما يتقدّم.
هذا التثبّت عند الردّ مَرض مؤلم بما فيه الكفاية، إلاّ أنّه ناجم عن مرض آخر لا يقلّ إيلاماً وسطوة علينا: إنّه العجز عن استيعاب أسباب «تفوّق الغرب»، وبالتالي عن التعامل العقلاني مع هذا الواقع. إرجاع تلك الأسباب إلى «القوّة العسكريّة» أو إلى «النهب» أو إلى «المؤامرات» لا يمهّد لمثل ذاك الاستيعاب. إنّه يجعله أبعد وأصعب منالاً. ذاك أنّ ما لجأنا إليه هو تغييب شريط تاريخي مديد ومزدوج، يمتدّ، من جهة، من الثورة الزراعيّة فالثورة الصناعيّة وربط أجزاء العالم اقتصادياً، وصولاً إلى الثورة ما بعد الصناعيّة، كما يمتدّ، من جهة أخرى، من الإصلاحات الدينيّة والتنوير إلى الديمقراطيّة البرلمانيّة. هذا التغييب غيّبنا نحن، إذ لم يعمل لصالح إدراك أعلى لدينا، ولم يخدم عيشنا على نحو متصالح مع هذا العالم. لكنْ فيما اعتصمت شعوبنا بحبل الغضب الذي لا يسكّنه إلاّ «الردّ»، راح الحكّام يجنون ثمار الغضب و«الردّ» في آن معاً. أنظمة استبداد تعاقبت مسلّحة بشرعيّة هزيلة هي أنّها سوف «تردّ». في هذه الغضون، كانت المسافة تتّسع يوماً بيوم «بيننا» –نحن الذين سنردّ– و«بينهم» –هم الذين سنردّ عليهم. نظرة سريعة إلى التواريخ الكبرى في منطقتنا تُظهر أي شكل تتّخذه خريطة ردودنا على تنوّعها والاختلاف بينها: مع جمال عبد الناصر وصدّام حسين وحافظ الأسد والخميني وخامنئي، فضلاً عن «القاعدة» و«داعش». وجهة الانحطاط، انحطاطنا، التي سلكتها تلك الخريطة لا يرقى إليها الشكّ.
ولأنّ الردّ عزيز علينا إلى هذا الحدّ، فيما افتقارنا لأدواته فادح إلى هذا الحدّ، باتت التضحية بالبشر، انتحاراً أو نحراً، إحدى أهمّ صناعاتنا القليلة. بموجبها يموت الناس الموعودون بالردّ، ويغدو الزعماء الواعدون به أبطالاً تاريخيين.
إنّ ما حصل قبل أيّام قليلة بين الولايات المتّحدة وإيران يستحقّ أن يشكّل مناسبة أخرى تحضّ على مراجعة هذا الحصاد الرديء. فأنْ نتصالح مع هذا العالم، أنْ نعيش بشيء من السعادة فيه، أنْ نقلّل عدد من يموتون إرضاءً لتوقنا إلى الردّ، وإشباعاً لاستبداد من يقولون به، أمور تستحقّ وقفة تفكير.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبعد من ردّ عسكريّ أبعد من ردّ عسكريّ



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم
  مصر اليوم - وكيل محمد صلاح يبدأ مفاوضات انتقاله إلى نادٍ سعودي

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt