توقيت القاهرة المحلي 09:00:39 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عبد الكريم قاسم وطريق الوطنيّة الصعب في العراق

  مصر اليوم -

عبد الكريم قاسم وطريق الوطنيّة الصعب في العراق

بقلم: حازم صاغية

حين سقط نظام صدّام حسين في 2003، ارتفعت في بغداد صور لقادة ورجال دين قتلهم صدّام. لكنّ صورة أخرى فاقتْها ارتفاعاً جاءت من تاريخ أقدم عهداً. إنّها لعبد الكريم قاسم الذي حكم العراق بين 1958 و1963.
فقاسم، رغم ديكتاتوريّته العسكريّة وعشوائيّته، ظلّ أبرز رموز الوطنيّة العراقيّة في التاريخ الحديث للبلد: بنتيجة الانقلاب الذي قاده في 14 يوليو (تموز) 1958، خرج العراق من سياسة الأحلاف التي كانت بغداد عاصمة أهمّها. وبصراعه مع القوميين العرب والبعثيين، كان يؤسّس الوطنيّة العراقيّة غير التابعة لمصر الناصريّة. قبل ذلك وبعده، ظلّ قاسم – ابن الأبّ السنّي والأمّ الشيعيّة – حسّاساً لمسألة الوحدة الوطنيّة العابرة للمذاهب.
هذا التعلّق بـ«الزعيم» قاسم كان مصدره الأوّل العطش إلى وطنيّة مستقرّة، أو ما تراءى أنّه كذلك. فالعراق مُنحت ملكيّته لفيصل بن الحسين غير العراقيّ. أمّا عراقيّوه الجدد، المغلوبون على أمرهم، أي الأكراد، فقصفهم الطيران البريطاني المنتدب لأنّهم انتفضوا بقيادة محمود الحفيد. وفي 1932، أي قبل ربع قرن على «نزع الاستعمار»، استقلّ البلد اسميّاً لكنّ المعاهدة الأنغلوعراقيّة كانت قد سبقت الاستقلال بعامين. هكذا جاء محدوداً وشكليّاً، يحفظ للمنتدب السابق معظم امتيازاته. غير أنّ البريطانيين لم يكونوا أسوأ ما عاناه العراقيّون. في 1933 كانت مذبحة أشوريي العراق، وفي 1941 حلّت مذبحة «الفرهود» بيهوده. وقبل هذين التاريخين كان قد ظهر ما يكفي من علامات التفسّخ بين أبرز مكوّنات البلد: حدث ذلك مع صدور كتاب أنيس النصولي في 1927 عن «الدولة الأمويّة في الشام»، وإبّان تولّي ساطع الحصري مديريّة التعليم العامّ بين 1923 و1927 حين فُصل الشاعر محمد مهدي الجواهري من سلك التعليم وسُحبت منه جنسيّته، كما في السجال الشهير بين الحصري وفاضل الجمالي. وفي صيف 1927 تحديداً، اصطدمت قوّات الأمن بممارسي مراسم عاشوراء، وفي 1934 في ظلّ ترؤّس القومي العربي ياسين الهاشمي الحكومة، مُنعت مواكب محرّم، ونشب تمرّد شيعي نجم عنه قصف لواء الديوانيّة من الجوّ...
الصراع المذهبي كان يرفده تكوين عشائري راسخ ومكين في الوسط والجنوب كما في الشمال، ومسألة اجتماعيّة متفاقمة تبعاً لضخامة الملكيّات العائدة إلى ملاّكين مُتغيّبين وجائرين، فيما تضوّر فلاّحوهم المحرومون من الأرض.
انعكس هذا كلّه على الاستقرار السياسيّ: بين 1932 وإعلان الجمهوريّة في 1958، عرف العراق 45 حكومة، بمعدّل ثمانية أشهر للحكومة الواحدة، وثمانٍ من هذه الحكومات شُكّلت تحت ضغط الجيش. شهد العراق كذلك انقلابين: بكر صدقي في 1936، ورشيد عالي الكيلاني وضبّاط «المربّع الذهبيّ» في 1941. وشهد أيضاً ثلاث خضّات وانتفاضات: في 1948 و1952 و1956.
إذاً، كان عهد عبد الكريم قاسم يشبه الوعد بوطن وباستقرار وعدالة. لكنّ الوعد لم يُلبّ. ففضلاً عن ديكتاتوريّة قاسم وأخطائه الهائلة، خصوصاً صدامه بأكراد الشمال، وجد النظام الجديد نفسه في مواجهة المُصرّين على منع التشكّل الوطنيّ. هؤلاء كانوا امتداداً للتقليد القومي العربي المتأثّر بالفاشيّة، يقدّمون مسألة العروبة على مسألة العراق. التقليد هذا، الذي بدأ مع الكيلاني والهاشمي، مروراً بـ«حزب الاستقلال»، ووصولاً إلى «حزب البعث»، نجح عسكريّوه عام 1963، وعبر انقلاب، في إسقاط قاسم وإعدامه. ولأشهر سال فيها دم كثير سيطر البعثيون قبل أن يطيحهم شركاء قوميّون أقلّ دمويّة وآيديولوجيّة. لكنّ عهد عبد السلام عارف «الناصريّ» لم ينجح في إقامة وحدة مع مصر، بينما فشل شقيقه عبد الرحمن في كلّ شيء تقريباً.
أمّا سنوات البعث الذي عاد إلى السلطة بانقلاب 1968، فجمعت إلى عنفها الداخلي كمّاً من الحروب الخارجيّة التي أضعفت البلد بقدر ما أوهنت وحدته الداخليّة. وبسقوط صدّام حسين على أيدي الأميركيين، حلّ العهد الأميركي الذي ما لبث أنّ مهّد للعهد الإيرانيّ، لكنْ في هذه الغضون، وفي ظلّ العهدين، صار من العبث الوقوع على عنوان واحد جامع: «اجتثاث البعث» ونوري المالكي و«الحشد الشعبيّ» هي عناوين مضادّة للسنة، والمقاومة و«داعش» عناوين مضادّة للشيعة، ووسط زحمة الأسماء والعناوين تندلع حرب أهليّة سنّيّة – شيعيّة في 2006. أمّا الأكراد فظلّوا كأنّهم أبناء تاريخ منفصل، لا سيّما بعد انفجار الخلاف على كركوك.
لكنْ إذا كان طريق الوطنيّة في العراق صعباً وطويلاً، وربّما أصعب وأطول من مثيليه السوري واللبنانيّ، فإنّ الثورة الراهنة طرحت هذه المسألة من جديد. طرحتها حين هبّ شيعة عراقيّون في مواجهة إيران الشيعيّة. وطرحتها حين تجاوب سنة عراقيّون في الفلّوجة، ولكنْ أيضاً في تكريت وهيت والموصل والرمادي، متضامنين مع النجف. وهي، بالطبع، مجرّد بدايات على طريق صعب وطويل، طريقٍ ربّما كان في حاجة إلى أمور عدّة، على رأسها توسيع المساحات المشتركة بين مكوّنات البلد، واستكمال خروج السنة من عقدة التهميش. وقد يكون من المطلوب أيضاً ظهور عبد الكريم قاسم المدني والديمقراطي هذه المرّة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عبد الكريم قاسم وطريق الوطنيّة الصعب في العراق عبد الكريم قاسم وطريق الوطنيّة الصعب في العراق



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:55 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج القوس السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:53 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العقرب السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:01 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الدلو السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:57 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجدي السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:03 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الحوت السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:43 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج السرطان السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 14:26 2019 الجمعة ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

تتركز الاضواء على إنجازاتك ونوعية عطائك

GMT 09:20 2024 الخميس ,08 شباط / فبراير

نصائح لعرض المنحوتات الفنية في المنزل

GMT 02:18 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

محمد صبحي يؤكّد لا قيمة لفنان يقدم أعمالًا تهدم العقول

GMT 08:06 2021 الثلاثاء ,21 أيلول / سبتمبر

عمرو دياب يشوق جمهوره لأحدث أغانيه "أذواق"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt