توقيت القاهرة المحلي 23:16:35 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ألكسندر دوغين عندنا...يا مرحباً يا مرحباً

  مصر اليوم -

ألكسندر دوغين عندنايا مرحباً يا مرحباً

بقلم : حازم صاغية

قبل قرن ونيّف، كان سؤال بعض النُخَب عندنا: «كيف نصبح مثل الغرب الديمقراطي؟». بعد قرن ونيّف، أضحى سؤال البعض: «كيف نصبح مثل روسيا؟» التي لم تنجح مرة في الانتقال إلى الديمقراطية. القياس اليوم مختلف: طهران مثلاً أرّقها عدم امتلاك الأسلحة الجوية التي تمتلكها موسكو وتقتل السوريين بكفاءة. على هذا النحو يرتسم الطموح وتُختار النماذج. مؤسسة إيرانية اسمها «الأفق الجديد الدولي» مهمومة بالسؤال في صيغته الجديدة، عقدت مؤتمراً في بيروت دعت إليه الروسي ألكسندر دوغين. وسائل الإعلام المرعية من إيران و«حزب الله» احتفلت بالضيف غير العادي.
دوغين، الذي لمع اسمه في ظل فلاديمير بوتين، فيلسوف يطوّر عقيدة مدارها استثنائية روسيا. الرجل يسعى إلى مزيد من البوتينية بعد تحسينها، أي تقريبها أكثر فأكثر من أفكاره. الأهم أنه أراد لهذا العالم أن يكون توتاليتارياً، حيث الدولة تراقب أقوال الجميع وأفعالهم. يعارض حقوق الإنسان وكونيّتها وحكم القانون، ويعتبرها أفكاراً مُعادية صادرة عن غرب مُعادٍ. كثيرون ينظرون إليه كمهرّج، لكن كثيرين يحملونه على محمل الجدّ. في شبابه، إبّان العهد السوفياتي، طُرد دوغين من الجامعة، وكان معروفاً عنه إعجابه بالفلاسفة المناهضين للعقلانية والحداثة. لكنه كان أيضاً معجباً بهتلر. لقد تأثّر بمثقفين ثلاثة تُنسب إليهم بدايات الدعوة الأوراسية: إيفان إيلاين (1883 - 1954)، ونيقولاي تروبتسكوي (1890 - 1938)، وليف غوميليوف (1912 - 1992). المناخ الفكري لهؤلاء يدور على نحو وآخر حول «رسالة روسيا الحضارية»: إنها المسألة التي لازمت، منذ القرن التاسع عشر، ثقافة روسية تنازعتها السلافية والأوروبة. ثالثهم وأشهرهم، الإثنوغرافي غوميليوف، ابن الشاعرين الكبيرين نيكولاي غوميليوف وآنّا أخماتوفا، نزيل السجون ومعسكرات العمل السوفياتية، وفي الوقت نفسه هو لاسامي متزمّت. الأوراسية، كما بلورها دوغين في 2001، مفادها أن وقوع روسيا بين أوروبا وآسيا يعطيها طابعاً فريداً وغير غربي. فهي ليست وطناً فحسب، بل حضارة أساساً. هويّتها لا تنتمي إلى الفيدرالية الروسية، بل إلى «العالم الروسي». العدو الطبيعي لهذا «العالم»: الغرب. دوغين أسّس «اتحاد الشبيبة الأوراسية» اليميني المتطرّف الذي عُرف بمسيرة شبه موسولينية في العاصمة الروسية. أعطي منصباً تعليمياً في جامعة موسكو الرسمية، وتردّد أن بوتين تأثّر به، خصوصاً حين تحدث إلى التلفزيون، بعد إلحاق القرم، عن الانتماء «إلى العالم الروسي». دوغين اعتبر أن رئيسه تبنّى آراءه عن التفوّق الإثني والثقافي والديني لروسيا. ويبدو أن بعض المحيطين بالرئيس يتبنّون فعلاً هذه الأفكار. في الحالات كافة تحوّل إلى نجم إعلامي مؤثّر، بعدما قضى سنوات يدافع علناً عن تقسيم أوكرانيا واستعمارها.
على أن الغرب المكروه ليس كل الغرب. إنه تحديداً الشطر الديمقراطي والليبرالي منه. فمن عِبَر القرن العشرين استنتج دوغين ضرورة تطبيق ما هو مفيد من الفاشية والستالينية، وبالتالي بناء بلشفية قومية. وهو حين أيّد انتخاب دونالد ترمب رئيساً، عام 2016، شدّد على أن ما يفصل بين روسيا والغرب هو أفكار التنوير المتصلة بحكم القانون والحقوق الفردية. من دون هذه يصبح الغرب ممتازاً، أما قادته فحين يفهمون أن هذه أفكار سيّئة، لا يعود هناك سبب للخلاف. دوغين امتدح الشعب الأميركي، لكنه دعاه إلى التخلّص من نُخَبه «الأوليغارشيّة» واعتناق قيم حقيقية، أي توتاليتارية وفاشية.
الحركة الأوراسية هذه تهجس بإمبراطورية تديرها موسكو، إمبراطورية عظمى تتأسس على قيم محافظة وعلى المسيحية الأرثوذكسية. العائلة والاستقامة الجنسية أساسيتان في التصوّر الدوغيني.
وهذا ليس من صراع الحضارات. إنه، على العكس، دعوة إلى اللقاء بين حضارات متشابهة في إصرارها على مقاتلة الغرب، أي رفض الحداثة والديمقراطية والكونية مما يسمّيه دوغين الهيمنة الأطلسية الرأسمالية والليبرالية. ذاك أنه لا بدّ من بناء تحالفات استراتيجية في أرجاء المعمورة بين القوى المناهضة للأطلسية وهيمنتها. أما «الثورات الملونة» فليست سوى القاطرة التي تُستَخدم لتوطيد تلك الهيمنة.
إيران الخمينية تحظى بموقع مكرّس في هذا التحالف. حتى اليسار، لا يعارض دوغين ضمّه إلى مشروعه شرط أن يعترف بالقيم التقليدية والمحافظة، وأن يعادي الحداثة وكونيّة القيم. هذا حاصلٌ اليوم.
بهذا تقود روسيا «موجة ثالثة» ضدّ الغرب بعد موجتين سابقتين قيصرية وبلشفية: الأولى صدّت عنها الكاثوليكية والبروتستانتية، والثانية حَمتْها من الرأسماليّة والتفسّخ.
هذه الوصايا هي بالضبط ما ينقصنا في هذا الجزء من العالم الذي يعاني فائضاً في الحريات وحكم القانون! فكيف إذا ترافقت مع هزيمة روسية ثالثة تلي الهزيمتين اللتين أطاحتا الموجتين الأولى والثانية؟
لقد سبق لبعض العرب أن أنشأوا تحالفات مشابهة مع النازية الألمانية والشيوعية السوفياتية، وكان ما كان من كوارث مطنطنة. أما أن تكون مجابهة الصهيونية، كما قيل، سبب التوجّه هذا، فيذكرنا بأن المجابهة نفسها كانت ذريعة التحالفات الكارثية السابقة. هذا علماً بأن بوتين، لا دوغين، هو من يقرّر في هذا المجال. وهو قد قرّر بشهادة تقاسم الأجواء السورية مع الإسرائيليين. تبقى نصيحة طهران لنا بأن نغطس مرة أخرى في الأوحال إياها. والحال أن هذه الأفكار الموحلة من أفضال الثورة الإيرانية ونظامها علينا. إن العاطفة أخوية لا يرقى الشك إلى ذلك.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ألكسندر دوغين عندنايا مرحباً يا مرحباً ألكسندر دوغين عندنايا مرحباً يا مرحباً



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 09:48 2019 الأربعاء ,06 تشرين الثاني / نوفمبر

ديكورات يابانية حديثة تضفي على المنزل أجواء من الراحة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt