توقيت القاهرة المحلي 19:49:05 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الثامنة بتوقيت بيروت

  مصر اليوم -

الثامنة بتوقيت بيروت

بقلم: مصطفى فحص

في تمام الثامنة مساءً يوم الأحد الماضي، وقف اللبنانيون في شرفات منازلهم وصفقوا تحيةً للفريق الطبي الصامد في وجه عدو مجهول. لم يسأل الطبيب أو الطبيبة؛ والممرض أو الممرضة، والمسعف أو المسعفة، عن مذهب المصاب أو انتمائه الحزبي أو العقائدي... لم يحضر سؤال اللبناني المعتاد: «حضرتك من وين؟». في الثامنة مساءً؛ تكونت صورة لبطل جديد تموضع في ذاكرة اللبنانيين من دون الحاجة إلى إطلالات وخطابات، أو إعلان انتصارات في الداخل أو الخارج، ولم يستخدم البطل في هذه المواجهة هويةً خاصةً أو عقيدةً أو انتماءً... لم يكن يحمل سوى سلاح إنسانيته ويقوم بواجبه الأخلاقي، ففي هذه المواجهة أعيد تموضع البطل، ورفع من الانتماء الخاص إلى الفضاء العام.
في صورة البطل الجديد ضاعت المحاور؛ أغلقت زواريب السياسة. استشاط أهل السلطة غضباً؛ لم يستوعب الأقوياء منهم أن صناعة المنتصر ليست حكراً عليهم، ولم تعد تخضع لشروطهم، فضاقت صدورهم من مبادرة ردَّت لجنود مجهولين جميلَهم، ولأنها لم تخرج من كنفهم، عدَّوا أنها خرجت عليهم، فرفضوها وحرضوا على من دعوا إليها، نبشوا في هوياتهم... في ملامح وجوههم وأسمائهم، فسّروا كلامهم وفقاً لأهوائهم، ليصلوا إلى ضالتهم، فاتهموهم بأنهم ينتمون إلى مؤامرة حيكت في «17 أكتوبر (تشرين الأول)» الماضي.
في الثامنة مساءً؛ أعادت بيروت العمل بتوقيت «17 أكتوبر»، فاستفزّ الحزب الحاكم؛ استنفر قواعده، واستحضر الموروث والغيبيات، واستخدم التراث الديني العام من أجل الخاص، وحضر الخاص بكل تفاصيله وفروعه، وعصبياته وخصوصياته، كأنَّه يفرض على بيئته مجدداً حواجز عقائدية تفصلهم عن بقية اللبنانيين، كأنه يفضل الكونفدرالية على التعددية، وصراع العصبيات بديلاً للهوية المركبة، في الوقت الذي كان فيه الهمّ والخوف والخلاص، والعدو والواجب، والحزن والحب، مشتركاً؛ كما هي المشتركات الوجدانية والأخلاقية والإنسانية ما بين مطالب غيفارا الثائر الأممي، والقاضي محمد المناضل من أجل حرية الشعب الكردي في مهاباد، وعبد الباسط الساروت حارس ثورة الشعب السوري، وصفاء السراي في ساحة التحرير ببغداد، وعلاء أبو فخر في بيروت... ومنهم إلى كل الفرق الطبية في جميع أنحاء العالم وهي تحارب على جبهة واحدة من أجل سلامة البشرية وكرامة الإنسان.
مما لا شكَّ فيه أن جائحة «كورونا» قد منحت سلطة العهد فرصة حتى تستعيد بعضاً من زمام المبادرة، واستثمار الوقت الذي ينشغل فيه اللبنانيون بمكافحة «كورونا»، لإعادة فرض هيبتها السياسية والأمنية، وفرض هيكلية جديدة للحكم يخضع فيها الجميع لسلطة الحزب الحاكم... يرسم حدود الصلاحيات لأفراد الرعية، في إطار سلطة أبوية يمارسها مرشد العهد وناظمه السياسي؛ أبوية عبّر عنها الصحافي اللبناني علي الأمين بقوله: «... هذا الخطاب (الأبوي) الذي قام على التعامل مع اللبنانيين وقبلهم المسؤولين اللبنانيين، باعتبارهم الأبناء الذين يحبّهم وهو أعلم بمصلحتهم من أنفسهم، لكنه الحب المشروط ضمناً بالطاعة، وعدم الخروج على سلطة الأب وهيبته واحترامه، لأنه حينذاك فإن الأب يبطش بابنه الذي يحبه، فيما لو خرج عن سلطته، وتجاوز شروط البنوّة وحدودها».
فعلياً لا يزال تاريخ «17 أكتوبر» يقضّ مضاجع العهد، ويشكّل كابوساً يصعب الشفاء منه؛ يلاحق قراراته، وفساده ومحاصصاته. ورغم توقف التظاهر والاعتصامات بفعل الوباء، فإن الحكومة انتهزت الفرصة، وتحت ذريعة الفيروس، قامت بهدم خيام المعتصمين في ساحة الشهداء وسط العاصمة بيروت، في محاولة لإلغاء رمزية الانتفاضة وإعادة الأمور إلى ما قبل «17 أكتوبر» قبل الانتهاء من الحرب على «كورونا». فالإطباق على الانتفاضة بات مشروعاً تنفذه الحكومة بتغطية كاملة من الحزب الحاكم الذي فشل في السابق في النيل من وطنية الانتفاضة، وصدم بصمودها أمام الترهيب الذي تعرضت له، وهي، رغم غيابها الميداني، لا تزال احتمالاً جدياً سيعود عندما تتاح الفرصة.
في الثامنة مساءً؛ قرعت الانتفاضة جرس الإنذار مجدداً، وأعلن شبانها وشاباتها عن موعد مفتوح مع ساحة الشهداء، ليكونوا شهوداً على ما ارتكبت السلطة تحت جنح الجائحة، فالذي أحرق خيامهم يعتقد أنه تمكن من حرق التاريخ، لكنَّه نسي أن القوي، مهما بلغت قوته، لم يعد يملك حصرية كتابته.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الثامنة بتوقيت بيروت الثامنة بتوقيت بيروت



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 01:47 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026
  مصر اليوم - نيمار يطلق اعترافًا مؤثرًا عن حلمه في كأس العالم 2026

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب

GMT 23:58 2019 الإثنين ,06 أيار / مايو

سيرين عبد النور تُغازل تيم حسن "شكلاً وموهبة"
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt