توقيت القاهرة المحلي 23:32:41 آخر تحديث
  مصر اليوم -

من صقلية إلى بغداد… هل يبدأ العراق معركته مع “العرّابين”؟

  مصر اليوم -

من صقلية إلى بغداد… هل يبدأ العراق معركته مع “العرّابين”

بقلم : مصطفى هاني فحص

من صقلية إلى بغداد، تنتعش في ذاكرة العراقيين، وهم يراقبون ما جرى في بلدهم منذ عام 2003، أي منذ قيام النظام السياسي الجديد وصعود القوى السياسية المسلحة إلى قلب السلطة، حكايات الجريمة المنظمة أو المافيا الإيطالية في صقلية، ولا يغيب عن بالهم الفيلم الأشهر في تاريخ السينما العالمية “العرّاب”. ففي العراق، امتلكت قوى سياسية ومسلحة نافذة نفوذاً واسعاً داخل مؤسسات الدولة، وبنت شبكات تحمي مصالحها وتدير مواردها، حتى باتت تصرفات أجزاء من المنظومة السياسية، في بعض وجوهها، تشبه أساليب المافيا الإيطالية، مع فارق جوهري يتمثل في أن المافيا كانت تعمل في الظل وتحتمي ببعض السياسيين، بينما أصبح التداخل بين السلطة والنفوذ المسلح في العراق أكثر وضوحاً داخل مؤسسات الدولة نفسها.

من باليرمو إلى بغداد، لا بد من استعادة ما كتبه مدير تحرير مركز “كارنيغي – الشرق الأوسط” مايكل يونغ في مقاله “بيروت – باليرمو”، حين قال: “إن النموذج الذي أظهرته صقلية وطبّقه لبنان بإتقان هو أن المنظمات الإجرامية العالمية الناجحة تستند إلى ميثاق بين من يتولّون الحكم ومن يرتكبون الجرائم، يقضي بأن يُكلَّف المجرمون بمسؤوليات محدّدة في الدولة، وأن تعتمد الدولة على مساعدة المجرمين في الشؤون المحظورة قانونياً”. وإذا كان المقال يتناول التجربة اللبنانية، فإن كثيراً من ملامح هذه المعادلة بدت حاضرة أيضاً في العراق بعد عام 2003، حيث أدى تداخل السياسة والسلاح والاقتصاد إلى إضعاف سلطة القانون وتراجع استقلالية مؤسسات الدولة، بما جعل مكافحة الفساد واحدة من أعقد معارك الدولة العراقية.
لكن بغداد تبدو اليوم وكأنها تحاول كتابة فصل مختلف. فحملة الاعتقالات التي طالت خلال الفترة الأخيرة شبكات فساد كبيرة، وشملت نواباً ومسؤولين وموظفين كباراً، بأوامر قضائية وتحت إشراف القضاء، أعادت إلى الأذهان، ولو من باب المقاربة، التجربة الإيطالية عندما قررت الدولة، بين عامي 1986 و1992، خوض مواجهة مفتوحة مع المافيا عبر القضاء، لا عبر الصفقات السياسية. يومها، استطاع قضاة شجعان، مستندين إلى إرادة سياسية ومجتمعية، توجيه ضربات قاسية لزعماء المافيا وتقليص نفوذهم بعد عقود من تغلغلهم في الدولة.
ولا يعني ذلك أن العراق بلغ هذه المرحلة أو أن المقارنة مكتملة، لكن ما يجري يطرح سؤالاً مشروعاً: هل بدأت الدولة العراقية أول مواجهة حقيقية مع البنية التي نشأت بعد عام 2003، أم أن هذه الحملة ستبقى محكومة بتوازنات السياسة وموازين القوى التقليدية؟
إن الحكومة العراقية الجديدة تقف اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز مجرد إدارة الدولة. فالرهان الحقيقي هو إعادة بناء ثقة العراقيين بمؤسساتهم، وترسيخ استقلال القضاء، وإثبات أن القانون قادر على الوصول إلى أصحاب النفوذ قبل صغار الموظفين. فإذا استطاعت تحويل هذه الحملة إلى مسار مؤسسي دائم، فإنها تكون قد دشنت بداية الانتقال من دولة تتنازعها مراكز القوى إلى دولة يحتكم فيها الجميع إلى القانون. أما إذا توقفت المعركة عند حدود الظرف السياسي، فإن النظام الذي تشكل بعد عام 2003 سيواصل إعادة إنتاج أزماته بأشكال جديدة.
لقد أثبتت باليرمو أن المافيا لا تُهزم بالشعارات، بل بقضاء مستقل، وإرادة سياسية، ودولة لا تخضع للابتزاز. وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يواجه العراق اليوم: أن يحوّل حملة مكافحة الفساد من حدث سياسي إلى نقطة تحول تاريخية في بناء دولة القانون، لأن ثقة العراقيين لن تستعاد إلا عندما يصبح القضاء هو المرجعية العليا، وتكون الدولة وحدها صاحبة السلطة والسيادة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

من صقلية إلى بغداد… هل يبدأ العراق معركته مع “العرّابين” من صقلية إلى بغداد… هل يبدأ العراق معركته مع “العرّابين”



GMT 08:21 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

GMT 08:18 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

لنتخلص من “شو طالع في إيدو”

GMT 08:14 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الزلزال أكثر رأفة

GMT 08:12 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

هرمز... الكلام «على إيه»؟

GMT 08:10 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

GMT 08:00 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

GMT 07:51 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

النجاح والفشل كلاهما كذبة

GMT 07:49 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

مذكرة التفاهم... مخاوف لم تحسم بعد

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 09:25 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة
  مصر اليوم - صحفية أميركية تعتذر عن تصريحاتها ضد منتخب البوسنة

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt