توقيت القاهرة المحلي 06:17:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

عن فيشي والمقاومة والتنصّل من المسؤولية

  مصر اليوم -

عن فيشي والمقاومة والتنصّل من المسؤولية

بقلم:مصطفى فحص

يدفع «حزب الله» جموعَ محازبيه ومناصريه ومؤيديه من نخبٍ سياسية أو إعلامية أو ثقافية إلى صياغة سرديات تبريرية للمواجهة الحاليّة، مناقضة للواقعين السياسي والعسكري في لبنان ما قبل موقعة الصواريخ الستة، غايتها أمران:

الأول، التنصل من المسؤولية أمام الجماعة الشيعية، المتضرر الأكبر من «حرب الانتحار» التي دفعتها إيران إليها، والرد على موجة الانتقادات الضخمة التي يتعرض لها من مختلف الجماعات اللبنانية والقوى الحزبية والشعبية نتيجة مغامرته المدمّرة.

أما الأمر الثاني، فهو تحميل الدولة مسؤولية أفعاله، وخصوصاً الحكومة، وتحديداً رئيسها نواف سلام.

في التعميم الحزبي أو الشعبوي الذي تعتمده قيادة الحزب تبرز مقارنة حكومة سلام بحكومة الجنرال فيشي الفرنسية زمن الاحتلال النازي. وهي مقارنة سياسية حادة وظالمة تُستخدم كأداة تعبئة ضد سلام وتشويه دور حكومته في إدارة الأزمة، وذلك من خلال اعتماد تشبيه دعائي لا يستند إلى مقاربة تاريخية حقيقية بين الحالتين.

في زمن الشعبوية والتخوين والدعاية المناقضة للحقيقة تحوّلت حكومة فيشي إلى وجبة يومية تُؤكل على الإفطار أو في السحور. وقد يكون «الجنرال فيشي» موجوداً في الحصص الغذائية التي يأخذها الحزب من الحكومة ويوزعها باسمه على النازحين، وفي الوقت نفسه يتهم الحكومة بالتقصير. وليس مستبعداً أن يخرج «الخائن فيشي» من ملفات الفساد التي يحتفظ بها نواب الحزب إلى يوم الدين، أو أن يُقدَّم في مؤتمراتهم الصحافية التي يتخللها التهديد والوعيد كما حصل لفيشي بعد تحرير فرنسا. حتى لم يعد مستبعداً أن توزّع قيادة الحزب يوم العيد «ألعاباً بلاستيكية» على شكل الجنرال فيشي على أطفال التهجير الذي تسببت فيه، ولا تريد تحمّل مسؤوليته.

المفارقة أن للحزب حصة في هذه الحكومة، وهو الذي أعطاها الثقة مرتين، ولم يلوّح حتى الآن بالانسحاب منها أو تعليق مشاركته أو الاعتكاف، بل إنه ينتظر يوم الحساب، ويذكّر اللبنانيين بما فعلته المقاومة الوطنية الفرنسية بالعملاء بعد انتصارها.

المفارقة أيضاً أن الفرنسيين كانوا مقاومة وطنية، في حين أن الحزب عندما استولى على المقاومة احتكرها طائفياً وعقائدياً. والمقاومة، من موقعها الشعبي كفكرة، هي حق للشعوب في الدفاع عن نفسها، لا يمكن أن تتحول إلى ضرر كبير عليهم، ولا أن تتسبب في خسارتهم الدائمة لأماكنهم، ناهيك بالخسارة الكبيرة في الأرواح والأرزاق. لذلك، حمايةً لفكرة المقاومة، يجب تسمية ما يجري بأسمائه: «حزب الله» الذي فجّر الوضع تسبب في نكبة للجنوبيين تشبه إلى حد كبير نكبة الفلسطينيين.

ما يتناساه الحزب في مقاربته الفرنسية أن المقاومين الفرنسيين بعد التحرير تركوا السلاح، واندمجوا في إعادة بناء دولتهم، وشاركوا في الحياة السياسية كأحزاب لا كمقاومين. فالمقاومة غاية للتحرير، وليست وسيلة للحكم والتحكم، ولا يمكن أن تكون أداة للقمع في الداخل أو الخارج؛ فهي شعبية وليست جماعة مسلحة ضمن محور إقليمي.

وما يلوم الحزب عليه الحكومة ورئيسها، ومعهما أغلب اللبنانيين، بما يصفه افتراءً بأنه كشف ظهر المقاومة، هو في الحقيقة ما تسبب فيه الحزب نفسه. فلا أحد يطعن في نوايا وأهداف من يدافعون عن قراهم وبلداتهم على الحافة الحدودية، بل إن الشك يكمن في ما زجّتهم فيه قيادتهم إسناداً لطهران.

عملياً، إن مقارنة أو تشبيه حكومة نواف سلام بحكومة فيشي محاولة وقحة لتخوينه ومحاصرة حكومته. وهذا لا يعبّر عن قراءة للتاريخ، بل عن عجز في السياسة. فعندما يفقد الحزب القدرة على خوض النقاش السياسي وتسويق الحجج، يلجأ إلى أقسى الاستعارات التاريخية لتوزيع تهم الخيانة على خصومه.

فعلياً، فإن استدعاء نموذج فيشي في السجال السياسي اللبناني يكشف أزمة في الخطاب لدى من يستخدمه؛ فالتاريخ ليس أداة للاتهامات الجاهزة. ومن لا يملك القدرة على الإقناع وتبرير فعلته وتحمّل المسؤولية أمام جماعته، لا يمكنه استخدام أحداث تاريخية غير مطابقة للواقع الحالي لتصفية حسابات داخلية.

وعليه، فإن سردية «حزب الله» تكشف عجزه وعنجهيته، أما توتره فيعكس حجم المخاطر التي تتعرض لها بيئته، والتهديد الوجودي الذي تسبب فيه للكيان اللبناني دولةً وشعباً.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

عن فيشي والمقاومة والتنصّل من المسؤولية عن فيشي والمقاومة والتنصّل من المسؤولية



GMT 08:21 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

دفاعاً عن البند الـ13 في اتّفاقيّة واشنطن

GMT 08:18 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

لنتخلص من “شو طالع في إيدو”

GMT 08:14 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الزلزال أكثر رأفة

GMT 08:12 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

هرمز... الكلام «على إيه»؟

GMT 08:10 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

الرئيس ومفتاح المضيق وكأس الإقليم

GMT 08:00 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

العفريتة... شهادة ميلاد العالم

GMT 07:51 2026 الإثنين ,29 حزيران / يونيو

النجاح والفشل كلاهما كذبة

كارول سماحة تجمع بين الأناقة والرقي في أحدث إطلالاتها بالأبيض

بيروت - مصر اليوم

GMT 07:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

دعاء الجمعة الأخيرة من العام الهجري

GMT 10:44 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الحمل السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 10:53 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025

GMT 09:56 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الحوت الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 01:58 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

وزير الكهرباء

GMT 14:58 2021 الأربعاء ,20 كانون الثاني / يناير

مكونات طبيعية من مطبخك فعالة في تنظيف وتعقيم المنزل

GMT 12:19 2018 الإثنين ,01 تشرين الأول / أكتوبر

مصر تحصد 31 ميدالية متنوعة مع ختام بطولتي الرماية

GMT 08:41 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

تتعامل بإيجابية وتكسب الإعجاب

GMT 23:20 2021 الخميس ,07 كانون الثاني / يناير

الأردني محمد الدميري يتفوق على السوري عمر السومة

GMT 06:50 2026 الخميس ,19 شباط / فبراير

أفكار ذكية لحمام أنيق في مساحة محدودة

GMT 12:12 2023 الخميس ,12 كانون الثاني / يناير

مصر تدين التفجير الإرهابي في العاصمة الأفغانية كابول
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt