توقيت القاهرة المحلي 08:13:53 آخر تحديث
  مصر اليوم -

المجتمع الفاشل

  مصر اليوم -

المجتمع الفاشل

بقلم : عمرو الشوبكي

الحديث عن الدولة الفاشلة حديث علمى وسياسى متكرر، والحديث عن المجتمع الفاشل ظل خافتا ورُدد فى البداية همسا فى بعض الأوساط العلمية والسياسية، ثم تزايد الحديث مؤخرا عن الأمم الفاشلة، ولماذا تقدمت دول وتأخرت أخرى؟ ولماذا بدأت تجارب من نفس النقطة ولم تصل إلى نفس النهاية، فتقدم بعضها وتخلف بعضها الآخر، رغم البدايات الواحدة؟

تقدُّم مصر ليس حتميا، كما أن تخلفها ليس حتميا أيضا، إنما قراءة علمية لواقعها الاقتصادى والسياسى وبنيتها الاجتماعية والثقافية والمؤسسية مطلوبة لمعرفة فى أى نقطة تقف، وأى خيارات أمامها للمستقبل.

والمؤكد أن تعبير «الدولة الفاشلة» تعبير علمى يُستخدم بخصوص الدول التى تعجز عن القيام بواجباتها تجاه مواطنيها، فتتراجع كفاءة المؤسسات وتنهار الخدمات ويغيب الأمن وتغيب الجيوش الوطنية أو تتحول إلى جيوش طوائف وقبائل.

وتجارب الدول الفاشلة كثيرة، وشهدنا مؤخرا فى العالم العربى تجارب غياب الدولة وانهيارها بالكامل، وليس فقط فشلها فى تأدية وظائفها، وصارت الدولة الفاشلة حقيقة، أما سؤال المجتمع الفاشل فظل فرضية طرحها بعض علماء الاجتماع بأدلة كثيرة، وفتح تعليق أستاذ علم الاجتماع السودانى حيدر إبراهيم، منذ 3 أعوام، فى مؤتمر بمكتبة الإسكندرية، نقاشا مستفيضا حول المفهوم ودلالته.

والحقيقة أن فى مصر، مثل أى بلد آخر، أداء الدولة وكفاءة مؤسساتها، ودرجة الشفافية والنزاهة التى تُدار بها، وطبيعة النظام السياسى- ديمقراطى أو شبه ديمقراطى أو شمولى- مسؤولة عن تشكيل وعى المجتمع وصناعة تقدمه، وأن سؤال مَن يتحمل المسؤولية على طريقة البيضة أم الدجاجة- أى الدولة والنظام الحاكم أم المجتمع- لن يحل مشكلة المجتمعات والدول المتخلفة، فيقينا مسؤولية النظم الحاكمة أساسية، إلا أنها وُجدت واستقرت فى تربة مجتمعية ساعدتها على الاستمرار، ونظرية العالِم الجزائرى، مالك بن نبى- عن «القابلية للاستعمار» المتعلقة بأوضاع الدول المأزومة، التى جعلتها قابلة لأن تُستعمر (بضم التاء)- تنسحب أيضا على «القابلية للتخلف»، أى وضعية ثقافية بائسة وأمية مرتفعة وظروف سياسية محيطة تعمق من هذا التخلف.

هناك دراسات فلسفية كثيرة عن صعود وهبوط الحضارات، وهناك دراسات سياسية كثيرة عن المجتمعات التى تقدمت وتلك التى تخلفت، وحديث علمى عما سماه الباحث الأمريكى الشهير فيليب شميتر (Philipe Schmitter) عن «الخيار الأسوأ»، أى أن يختار المجتمع- ممثلا فى فاعليه السياسيين، عقب تجارب التغيير- الخيارات الأسوأ بين كل الخيارات المطروحة، وهذا ما يصف به الكثيرون خيارات مصر عقب ثورة يناير حين سيطر خطاب المراهقة الثورية على بدايات مسار ما بعد يناير، فطالب بإسقاط دستور 71 المدنى، وعزل قيادات الحزب الوطنى، وتبنِّى المحاكمات الثورية، كل ذلك لصالح الفراغ الذى ملأه بكل سلاسة الإخوان، وقُدمت لهم البلاد على طبق من فضة ليحكموها، وأدى فشل إسقاطهم بالوسيلة الديمقراطية إلى تبنى النظرة الحالية، التى تقول إن مَن فشل هو الشعب الذى أُتيحت له فرصة عقب ثورة يناير وأهدرها، فتم إقصاء الجميع من معادلة الحكم والفعل السياسى.

يقيناً فشل المجتمع ونخبته المدنية واضح عقب ثورة يناير، ولكنه أيضا لم يكن يتحرك فى الفراغ دون إطار سياسى محيط، فإرث مبارك لم يكن كله سلبيات، إلا أنه لم يسمح بوجود فرص حقيقية للإصلاح من داخله إلا من خلال مشروع التوريث المرفوض شعبيا، كما أن خيارات المجلس العسكرى الخاطئة فى إسقاط دستور 71- رغم موافقة الناس على تعديله فى استفتاء شعبى...

لصالح فرض إعلان دستورى ركيك، وتسليم البلاد للإخوان دون دستور مدنى ودون قوانين تنظم العملية السياسية والانتخابية- أدت إلى أن وضعوا هم الدستور والقواعد القانونية على مقاسهم، وكانت نهاية «الخيار الأسوأ».

الدول الفاشلة تنتج مجتمعات فاشلة، مثلما أن المجتمعات الفاشلة تنتج دولاً فاشلة أيضا، على طريقة «كما تكونوا يُولَّ عليكم». والمجتمع تساهم فى صنعه سلطة ونظام سياسى وليس فقط موروث ثقافى وحضارى، وتعبير المجتمع هو تعبير متحرك ديناميكى نتاج تفاعلات كثيرة محيطة به، وليس فقط أحكاما قيمية مطلقة وساكنة لا تتغير بتغير النظم والأزمنة، فمثلا فى بعض المجتمعات الأوروبية كان هناك مَن يتحدث فى نهاية الستينيات وأوائل السبعينيات عن أن إسبانيا والبرتغال غير قابلتين لبناء نظم ديمقراطية، لأن فى الأولى نسبة الأمية تصل إلى 15% والثانية إلى 20%، كما أن شعبيهما من الشعوب الكاثوليكية المتعصبة، التى يكون الدين مهيمناً على ثقافة شعوبها، بصورة تجعلها غير قادرة على تقبُّل النظام الديمقراطى.

ما جرى فى البلدين- اللذين صارا بعد ذلك دولتين أوروبيتين متقدمتين وديمقراطيتين- تكرر فى مجتمعات كثيرة مثل أمريكا الجنوبية وأوروبا الشرقية حين كانت توصف مجتمعاتها أيضا بأنها غير قابلة للديمقراطية والتقدم.

إن قضية المجتمعات أو النخب الفاشلة لا علاقة لها بنظريات الشعوب المتخلفة لأسباب «جينية» نتيجة أصلها العرقى أو الدينى أو الثقافى أى لأسباب خلقية كما يردد بعض الجهلاء أو الكسالى، ليحكموا بالإعدام على شعب من الشعوب أو ثقافة من الثقافات، إنما هى أزمة مؤسسات دول ونظم سياسية تسهم فى تشكيل وعى المجتمعات وقدرتها على التغيير، دون أن تغيب أيضا مسؤولية هذه المجتمعات وفاعليها السياسيين عن تجنب «الخيارات الأسوأ».

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

المجتمع الفاشل المجتمع الفاشل



أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt