توقيت القاهرة المحلي 17:56:59 آخر تحديث
  مصر اليوم -

قوة الدولة لا تعنى ظلمها

  مصر اليوم -

قوة الدولة لا تعنى ظلمها

معتز بالله عبد الفتاح

يفرّق الفيلسوف الألمانى «هيجل» بين «الدولة» و«القائمين على جهاز الدولة». وحين يزعم الحاكم أنه الدولة مثلما فعل لويس السادس عشر بقوله: «L’ETAT C’EST MOI» أى «الدولة هى أنا» فإنه يدمر الحد الفاصل والضرورى بين سلطة الحاكم وشرعية نظام الحكم وسيادة الدولة، وهى ثلاثة مصطلحات متلازمة لكنها متمايزة. «هيجل» يفرق بين السلطة باعتبارها الأشخاص القائمين على الحكم، والأشخاص يصيبون ويخطئون، والدولة باعتبارها حامية المجتمع الضامنة لحقوق أفراده. ومن يخطئ فلا بد من عقابه وفقاً للدستور والقانون اللذين معاً يجسدان أساس شرعية نظام الحكم، وهذا كله يحدث فى إطار من سيادة الدولة ووحدتها واستمراريتها وقدرتها على الحفاظ على تماسك المجتمع وحقوق أفراده. من يقود السيارة هو أشبه بأشخاص السلطة، وقواعد المرور هى نظام الحكم الذى ينبغى أن يلتزم به أشخاص السلطة وهم يقودون السيارة، وقواعد نظام الحكم هذه لا بد أن تكون واضحة ومعروفة للجميع مثلما هى فى حالة وضع لافتات توضح السرعة الملائمة وأماكن ركن السيارات وتحذيرات وتنبيهات لضمان سلامة الجميع، أما الطرق والشوارع فهى ليست ملكاً لأى قائد سيارة بذاته ولا للشرطى الذى يسجل المخالفات التى تقع نتيجة تجاهلنا لقواعد القيادة، وهى قواعد يمكن أن تتغير، شريطة أن يكون تغيرها فقط من أجل تحقيق الصالح العام. حاجتنا للطريق لا تبرر للقائمين على حمايته وصيانته ظلمهم للسائرين عليه. مع الأسف الشديد، عرفنا حكاماً فى منطقتنا والعالم يساوون بين أنفسهم والدولة بمنطق «أنا الحكومة» بما جعل استبداد الدولة ينتج استبداد الأفراد وفقاً لثقافة «أنا الشعب». وليس مستغرباً أن تجد شخصاً يتحدث فى أجهزة الإعلام بمنطق «الشعب يبايع المشير السيسى» وربما يكون بعضهم أكثر تواضعاً ليقول: «شعب محافظة كذا يبايع المشير السيسى»، وهذه نفس الغفلة والاستغفال الذى تحدث به «الواد مزيكا» فى مسرحية «المتزوجون» حين سأله «حنفى»: «بتفهم فى السياسة يا واد يا مزيكا؟» فردّ «مزيكا» مستنكراً السؤال: «بافهم فى السياسة؟! ده أنا الشعب»، البلد مليانة «مزيكا» من النفاق والمداهنة والمبالغة. نحن لا يزال بيننا من يدعى الحديث باسم الدولة، وهو ليس أكثر من ترس صغير فيها، يسىء لها ويجعل قطاعاً من المجتمع فى عداء معها بسبب أخطائه هو، ولا يزال بيننا كذلك من يدعى الحديث باسم الثورة أو الشعب أو الجماهير وهو لا يعبر إلا عن نفسه. ما حدث فى سوريا وليبيا وغيرهما أن الثورة كانت على ظلم السلطة الذى ارتبط لعقود بمن جعل من نفسه مساوياً لنظام الحكم ثم مساوياً للدولة نفسها. فكانت الثورة عليه هى ثورة على الدولة. انهيار الدولة كثيراً ما يكون بسبب ظلم القائمين عليها. والمقارنة لا بد أن تكون حاضرة فى أذهاننا حين استقال الرئيس الأمريكى ريتشارد نيكسون، بعد فترة من الممانعة، بعد أن وجد أن التأثير السلبى لأخطائه لم يعد ينال من سلطته فقط وإنما امتد إلى شرعية النظام الحاكم ومؤسسات الدولة، بل إن الانقسام المجتمعى وصل إلى درجة جعلت الرأى العام فى بعض الولايات تطرح فكرة: «لماذا تحكمنا واشنطن؟» وفى تلك الفترة كان الرأى العام الأمريكى جريحاً ومتشككاً أصلاً فى نزاهة وكفاءة السياسيين بسبب موت حوالى 58 ألف أمريكى فى حرب فيتنام مع تضليل إعلامى وسياسى واضح بشأن كمّ الخسائر وتضاؤل المكاسب المرتبطة بهذه الحرب. هنا وجدت النخبة الحاكمة أن التضحية بأهم شخص من أشخاص جهاز الدولة ضرورى للحفاظ على الدولة. وهذا هو جوهر المعضلة التى تواجهنا فى مصر. هناك مسئولون، سياسيون وبيروقراطيون، لا يعرفون خطورة النتائج المترتبة على أخطائهم لأنها تمتد لنظرة الناس لحاجتهم للدولة أصلاً إذا كانت دولة ترتكب الظلم وتبرره. مصر بحاجة لدولة قوية فى العدل، وليست باطشة فى الظلم. دولة قوية وليست دولة ظالمة، وإلا فإن النتيجة ستكون لا دولة على الإطلاق. تقع أخطاء كثيرة، لذا لزم التنويه. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

قوة الدولة لا تعنى ظلمها قوة الدولة لا تعنى ظلمها



GMT 09:20 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 09:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 09:12 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حكومة عاجزة عن حل مشكلة الكلاب الضالة !

GMT 09:08 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 09:06 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 09:03 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 06:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

طلبوا علاجه نفسيا لأنه مبدع

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:22 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 08:51 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

توازن بين حياتك الشخصية والمهنية

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 11:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الإصابات تضرب الأهلي قبل عودة الدوري
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt