توقيت القاهرة المحلي 20:07:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

إلى الحالمين بالرئاسة

  مصر اليوم -

إلى الحالمين بالرئاسة

معتز بالله عبد الفتاح
العقل البشرى لديه قدرة هائلة على خداع النفس، ومن تخدعه نفسه يكون قادرا على خداع الآخرين؛ لأنه يظن فى نفسه الصدق، ويتصرف بدافع من يقينه بأنه صاحب قضية عادلة. ولكن حين يصل إلى النتيجة النهائية التى قال بها السامرى بعد أن تركه سيدنا موسى عليه السلام لمناجاة ربه، فلما عاد سأله: «قال فما خطبك يا سامرى» فرد السامرى الذى كان قد صنع عجلا ليعبده بنو إسرائيل قائلا: «قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ، فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِى نَفْسِى». كتبت من قبل عن قصة للخليفة عمر بن عبدالعزيز الذى بلغه أن ابنه اشترى خاتما بألف درهم، فأرسل له خطابا قال فيه: «إذا جاءك خطابى هذا فبع الخاتم وأطعم بثمنه ألف فقير، واشتر خاتما من حديد واكتب عليه: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه». وقد جاء شاب محدود القدرات ولا يخلو من غطرسة إلى وينستون تشرشل، وقد كان رئيسا لحزب المحافظين، فوجه له انتقادات حادة، وأعلن بوضوح أنه قرر أن يصبح فى يوم من الأيام رئيسا لوزراء بريطانيا، فسأله «تشرشل» عدة أسئلة أثبتت بتفصيلاتها أن الشاب يجيد القدرة على الحلم وانتقاد الآخرين ولا يجيد القدرة على العمل وانتقاد الذات، فقال «تشرشل» مقولة شائعة فى السخرية من محدودى الموهبة، رغما عن أن الكثيرين لا يعلمون أصلها، وهى «إنه شاب متواضع، ولديه الكثير من الأسباب لكى يكون أكثر تواضعا». ودلالة القصتين تأتى من تحليل طرق عمل العقل البشرى، وكيف أن العقل يمكن أن يشقى صاحبه حين لا يعرف قدر نفسه، فتكون الفجوة هائلة بين طموحه (وربما طمعه) وإمكاناته (وربما ما يتصورها إمكاناته). ولكن هذه الفجوة نفسها لها درجات وهى فى أكثر درجاتها اتساعا تجعل الإنسان يظن فى نفسه أنه المهدى المنتظر مثلا، بل إن الحروب المهدية فى السودان فى ثمانينات القرن التاسع عشر نفسها بدأت بحلم الشيخ محمد أحمد الذى ظن فى نفسه المهدى. والحلم، أو الرؤيا، التى جاءته فى المنام، على ما يقول المؤرخون، إنه سيكون المهدى المنتظر الذى سيملأ الكون عدلا وخيرا بدءا من «البقعة المباركة» كما كان يصفها وهى «أم درمان». وفجأة صعدت روحه إلى السماء بعد أربعة أعوام فقط من «الحلم» وسط دهشة أنصاره المجاهدين وعامتهم من الذين ينتظرون إتمام بقية الحلم المهدوى: صلاته فى مكة والقدس وإسطنبول، وأن يملكوا الدنيا ويخضعوا جميع الأمم ويشيع المهدى العدل ويحثو المال حثواً، ويقيم الدين الحق بأن يعيد الدنيا إلى الآخرة كما بشرته الحضرة. ومات الرجل، وظل الحلم حلما. هل نخطئ حين نحلم ونتمنى؟ الإجابة يقينا لا. ولكن من الملاحظ أن قدرة البعض على الحلم تكون أعلى من قدرتهم على الفعل؛ لذا فلنتأكد من أن أحلامنا ليست سببا لشقائنا وشقاء المحيطين بنا ممن ننال من حقوقهم ونحن نظن أننا نحسن صنعا، ولنجتهد أضعاف أحلامنا، ولنتقبل ضربات القدر بعقل وقلب المؤمن أن للكون خالقا هو صاحبه والمدبر لأمره والبشر ضيوفه وليسوا أصحاب بيت. يصادف فى نفسى هوى بعض الشعر الصوفى من قبيل: «يا ربنا ليس لنا من أمرنا إلا السكوت، يا ليتنا نرضى بما يعطى لنا حتى نموت، والمبتلى يا ذا العلا لا يبتغى إلا النجاة، فى يسرها وعسرها ملعونة تلك الحياة، نبينا إمامنا به نقتدى وبه نهتدى ورضاه من رضا الإله». وكذا قول أحد القساوسة: «نرضى بالمر الذى يختاره الله لنا أكثر من حبنا للحلو الذى نختاره بأنفسنا». وقال القرآن العظيم: «سيجعل الله بعد عسر يسرا» وهذا حالنا بإذن الله. قال إبراهيم ابن أدهم: «وآخر ما يخرج من قلب العارف بالله حب الرئاسة»، والغريب أن نفس المعنى قال به أفلاطون معللا كلامه أن شهوة الحكم من أكبر الشهوات لأنها الشهوة التى لو تحققت يظن المرء أنه يستطيع من خلالها الوفاء بكل ما دونها من شهوات. إذن: «رحم الله امرأ عرف قدر نفسه» وإلا: «وكذلك سوّلت لى نفسى». هذا مقال قديم، كتب من سنتين، ولكن قد يكون فيه جديد. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

إلى الحالمين بالرئاسة إلى الحالمين بالرئاسة



GMT 09:19 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حين تتحول الجغرافيا إلى سلاح

GMT 08:51 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

ماذا فعلت إسرائيل بأمريكا؟! (1)

GMT 08:49 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

من لطف الله

GMT 08:48 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

النجومية عندما تصبح لعنة

GMT 08:41 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

عمدة من نوع خاص

GMT 05:47 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

البعثة القمرية

GMT 05:35 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

كله من "هرمز"!

GMT 05:31 2026 الأحد ,05 إبريل / نيسان

الأميركيّ والإيرانيّ شريكان في الابتزاز!

GMT 14:38 2026 الإثنين ,06 إبريل / نيسان

حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح
  مصر اليوم - حمادة هلال يكشف أسرارا لأول مرة عن المداح

GMT 10:05 2017 الإثنين ,18 أيلول / سبتمبر

الثروة الحقيقية تكمن في العقول

GMT 18:15 2025 السبت ,21 حزيران / يونيو

زيت زيتون يساعد على تقوية الشعر ونموه
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt