توقيت القاهرة المحلي 00:22:38 آخر تحديث
  مصر اليوم -

مواقف بسيطة ومواقف مركبة

  مصر اليوم -

مواقف بسيطة ومواقف مركبة

معتز بالله عبد الفتاح
بعد بضع سنوات، وبعد أن تصقلنا الخبرة نتيجة أن تثقلنا التجربة، سنكتشف أن أضعف الناس رأياً هم من يتمنون مواقف بسيطة لا ترى ما فى الأمور من عوج وتعريج ودقائق وتفاصيل. أتذكر حوارا دار بينى وبين أحد أساتذتى بشأن حكم قضائى شهير فى الولايات المتحدة خاص بتجريم الفصل بين البيض والسود فى المرافق العامة، وكان حكما شديد التفصيل لدرجة أزعجتنى، وحينما انتهيت منه كان علينا أن نقارنه بموقف الأقلية من أعضاء المحكمة العليا فى الولايات المتحدة الذين اعترضوا على حكم الأغلبية، وكان أيضا حكما شديد التفصيل لدرجة مزعجة. وكان رد الرجل، وقد عمل قاضيا فترة من حياته: «عزيزى موتاز (أى: معتز بالأمريكانى)، نحن نصنع التاريخ حين نكتب أحكاما كهذه، فنريد أن نستوثق أننا نوضح ما الذى نعرفه بما لا يدع مجالا للشك (beyond doubt)، وما الذى اعتمدنا فيه على ترجيح الدليل (preponderance of evidence)، وما الذى تساورنا فيه الشكوك، وما الذى رفضناه. ثم نضع كل ما سبق فى سياق أولويات القيم التى نؤمن بها والتى ذكرها الدستور. وهذا هو ما يجعلنا مضطرين إلى مواقف مركبة فيها الكثير من الطرق المستقيمة والمتعرجة والعودة للخلف (U-Turns)». كان تعليق الرجل هذا والذى كتبه تعليقا على ورقة بحثية قدمتها له دليلا على أن الأمر أعقد من تصوراتى بشأنه حتى بدأت أطالع أحكام المحكمة الدستورية العليا بشأن بعض القضايا التى عرضت عليها وبالذات فى عهد الدكتور عوض المر. هذه كانت المقدمة.. ما الموضوع؟ الموضوع أننا لم نزَل بعيدين عن المواقف المركبة فى حياتنا، فى حين أن حياتنا تزداد تركيبا وتعقيدا. هناك موقف بسيط يتبناه البعض: الموقف البسيط هو أن ما حدث فى 30 يونيو انقلاب ولا بد من عودة الشرعية وعودة الدكتور مرسى للحكم. وهو ما يقابله موقف بسيط آخر يقول: إن ما حدث ثورة ضد جماعة إرهابية فاشية اختطفت ثورة 25 يناير. وفى تقديرى أن الموقفين يقومان على تبسيط مخل على نحو مبالغ فيه. أما الموقف الأكثر تركيبا، الذى أظنه أقرب إلى الحقيقة، من وجهة نظرى، فهو: لو يعتبر أحدنا ما حدث انقلابا، لكن عليه ألا ينسى أن من أوصلنا إليه هو الدكتور محمد مرسى ومن معه ممن وقعوا فى كل فخ، وتجاهلوا كل نصيحة، وضيعوا كل الفرص لستة أشهر على الأقل. فى المقابل كذلك، لو يعتبر أحدنا ما حدث ثورة شعبية ساندها الجيش، فلا تنسَ أنها لا ينبغى أن تكون ثورة ضد مطالب العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية ومعها المطلب المنسى: الدولة الوطنية الديمقراطية. فى حوار مع بعض الدبلوماسيين الغربيين كانوا يرددون وجهة نظرهم بأن ما حدث «انقلاب». فكان سؤالى لهم: ماذا لو كان الدكتور مرسى قرر أن يدخل فى مواجهة مع إسرائيل، ودخل الغرب معه فى مواجهة سياسية، فتعنت ثم حدثت مظاهرات 30 يونيو ثم خرج الجيش عليه؟ هل كان الغرب سيقول إنه انقلاب أم أنه كان سيرحب به ويقول إنها ثورة شعبية؟ رد أحد الدبلوماسيين الأجانب: لكن الدكتور مرسى وعدنا أنه سيحترم علاقات السلام وحسن الجوار مع إسرائيل، وقد فعل. قلت له: لكنه كذلك وعد الشعب المصرى بالكثير ولكنه لم يلتزم. وبما أنكم تحبون إسرائيل أكثر مما تحبون مصر، وبما أن المصريين يحبون مصر أكثر مما يحبون إسرائيل، فقد كانوا أكثر حرصا على وعوده التى قطعها أمام شعبه من تلك التى وعدكم بها بشأن إسرائيل. وقد كان بإمكانه لفترة طويلة أن يتراجع، لكنه لم يفعل. قال أحدهم: لكن هذا لا يبرر الدماء التى سالت. قلت له: لا يوجد شىء يبرر الدماء التى سالت، لا بعد 30 يونيو ولا قبل 30 يونيو، لكن هناك ما يفسرها: فائض طاقة سياسية عند الشباب المتطلع لمستقبل أفضل يسىء القادة والزعماء الافتراضيون توجيهه. إدانة الدم كموقف مبدئى أمر بسيط ومركب فى نفس الوقت، لكن إدانة الدم تقتضى بالضرورة اتخاذ القرار السليم بشأن إحقاق العدل وتطبيق العدالة. ولم نزل نحلم بمواجهة خماسية: الجهل، الفقر، المرض، الظلم، الانقسام.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

مواقف بسيطة ومواقف مركبة مواقف بسيطة ومواقف مركبة



GMT 15:56 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

“داعش”: التّظلّم والمرض والانشقاق بين حمص وأستراليا

GMT 15:01 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

الإمام الطيب على مشارف الثمانين

GMT 09:42 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

مفكرة السنة الفارطة... عام الختام البعثي

GMT 09:40 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

النقد الاستعماري ومجتمعات الانقسام

GMT 09:38 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إسرائيل... الاعتراف الملغوم

GMT 09:36 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

تأمين الجغرافيا اليمنية

GMT 09:34 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... السوق غاضبة

GMT 09:32 2026 الجمعة ,02 كانون الثاني / يناير

إيران... المرشد والرئيس والشارع

GMT 12:07 2018 الجمعة ,05 تشرين الأول / أكتوبر

الجبلاية تستقر على خصم 6 نقاط من الزمالك

GMT 09:40 2020 الإثنين ,07 كانون الأول / ديسمبر

كفتة بطاطس

GMT 11:47 2020 الجمعة ,11 كانون الأول / ديسمبر

طلائع الجيش يستهل مشواره في الدوري بمواجهة الجونة

GMT 21:41 2018 الجمعة ,23 تشرين الثاني / نوفمبر

رسالة مؤثرة من كارتيرون لجماهير القلعة الحمراء

GMT 16:33 2018 الثلاثاء ,30 تشرين الأول / أكتوبر

قصة سيدنا يوسف مع زوجة العزيز من وحي القرآن

GMT 16:33 2018 الأحد ,11 تشرين الثاني / نوفمبر

871 مليون دولار لتمويل مشاريع زراعية في دول نامية

GMT 07:44 2018 الخميس ,14 حزيران / يونيو

"أكسسوار الأنف"موضة جديدة وجريئة في صيف 2018

GMT 15:07 2021 الخميس ,04 شباط / فبراير

يبدأ الشهر بيوم مناسب لك ويتناغم مع طموحاتك
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt