توقيت القاهرة المحلي 19:34:04 آخر تحديث
  مصر اليوم -

هل الثورة فشلت؟

  مصر اليوم -

هل الثورة فشلت

معتز بالله عبد الفتاح

سألنى بعض الأصدقاء هذا السؤال.. والحقيقة أننى قلت عبارة وجدتها تخرج على لسانى دون الكثير من التفكير: الثورة لم تفشل، لكنها نجحت فى إظهار الفشل. بعبارة أخرى: الثورة لم تفشل، نحن الذين فشلنا. الثورة كشفت المأزق الذى يعانيه الإنسان المصرى، وهو أن المقومات الأخلاقية والفكرية للنهضة الحقيقية غير متوافرة. الثورة كأى فعل إنسانى جماعى ضخم تتفاوت تقييمات الناس له وفقا لزاوية الرؤية ووفقا للمدى الزمنى الذى يحكم هذه الرؤية. أتذكر حوارا دار بينى وبين أحد أساتذة التاريخ الأوروبى فى الخارج حين قال عبارة من قبيل: إن الثورة الفرنسية أخذت حوالى مائة عام قبل أن تستقر الأوضاع فى فرنسا. فاستوقفت الرجل متسائلا: بروفسير ريتشى، هل قصدت مائة عام بالفعل أم هذا الرقم على سبيل المجاز؟ وكانت إجابة الرجل أن الثورة الفرنسية لم تنته إلا بعد أن استقرت مؤسسات الدولة الفرنسية، وهو ما مر بمحطات عدة حتى انتهت بثورة 1870 وما ترتب عليها من مؤسسات، وهو ما جعلنى أتجاسر بالحديث منذ مارس 2011 عن أن الثورة الناجحة تمر بخمس محطات: التخلص من النظام القديم، الرومانسية الثورية، بناء المؤسسات البديلة، الواقعية الثورية، الرسوخ المؤسسى بقبول أغلب الناس بالأوضاع الجديدة. لن أستطيع أن أحكى فى هذا العمود كل ما حدث فى فرنسا، لكن يكفى أن نعرف أن الثورة التى بدأت فى عام 1789 مرت بفترة من الاعتقالات والمحاكمات الانتقامية لرموز العهد السابق، وصولا إلى محاكمة الثوريين لبعضهم البعض وإعدامهم لبعضهم البعض، ثم انتهت بديكتاتورية تحت حكم نابليون، ثم عودة الملكية مرة، ثم حدثت عدة ثورات أصغر فى أعوام 1830، 1848، 1870، بما أفضى فى النهاية إلى إنشاء الجمهورية الفرنسية التى فتحت الطريق إلى ما نعرفه اليوم. كل هذه الفترة كانت ما احتاجه الفرنسيون كى يغيروا ثقافتهم بعد أن غيروا مَن كانوا يحكمونهم، ثم أن يغيروا مؤسساتهم. وسنحتاج هذه النوعيات الثلاث من التغيير أيضا. هذا ليس معناه أن ثورتنا أو أى ثورة أخرى ستحتاج مائة عام قبل أن تستقر، لكنها بالفعل مسألة معقدة أن تحكم على الحدث أثناء حدوثه ومن أطرافه الذين تسبق تحيزاتهم وتخوفاتهم قدرتهم على الاستماع لوجهة نظر مخالفة لهم. الثورة التى تفتقد ثلاثية القيادة والتنظيم والأيديولوجية تواجه معضلة تعدد القيادات وتعدد التنظيمات وتعدد الأيديولوجيات. عند اليساريين الثورة التى لا تؤدى إلى العدالة الاجتماعية كما يفهمونها هى ثورة غير مكتملة أو فاشلة، ولا بد من استكمالها أو ثورة جديدة. وعند الليبراليين الثورة التى لا تؤدى إلى مزيد من الحريات كما يفهمونها هى ثورة غير مكتملة أو فاشلة، وعند المحافظين دينيا الثورة التى لا تؤدى إلى تطبيق شرع الله كما يفهمونه هى ثورة غير مكتملة أو فاشلة.. وهكذا. وعندى أن الثورة التى تؤدى إلى وجود نظام ديمقراطى يتضمن ثلاثية: ديمقراطية الوصول إلى السلطة، وديمقراطية ممارسة السلطة، وديمقراطية الخروج منها لكل أصحاب الأيديولوجيات السابقة، هى ثورة ناجحة، واستكمالها يعنى رسوخ هذه المعانى والقيم والممارسات بما يسمح لليبرالى أو اليسارى أو المحافظ دينيا أن يصل للسلطة ديمقراطيا وأن يمارسها بديمقراطية وأن يخرج منها إذا قرر الناخبون ذلك، وإلا إما استبداد جديد وإما حرب أهلية. طبعا لكل فصيل قياداته وتنظيمه وكوادره، وهؤلاء لا يثقون فى أولئك. وما يعوق نجاح الثورة الديمقراطية أن الديمقراطية بذاتها تتطلب شيئا من الثقة بالنفس وفى الآخرين لكن لا المحافظ دينيا يريد فعلا تطبيق شرع الله وإنما هم يريدون «السلطة الكهنوتية الشمولية» من وجهة نظر معارضيهم، ولا اليسارى يريد العدالة الاجتماعية وإنما هم يريدون «الاشتراكية البائدة» من وجهة نظر معارضيهم، ولا الليبرالى يريد الحريات وإنما هم يريدون «العلمانية المقيتة» من وجهة نظر معارضيهم. الليبرالى لا يريدها ثورة ديمقراطية فقط، هو يريدها ثورة ديمقراطية يحكمها ليبراليون، وإلا فهى فاشلة. وهكذا مع المحافظين دينيا ومع اليساريين. أنا عن نفسى، أريدها ديمقراطية أولا ثم تأتى الأيديولوجيات لاحقا، وإلا استبداد جديد أو حرب أهلية. ولأننا نضع أيديولوجياتنا قبل الديمقراطية، إذن الثورة لم تفشل، نحن الذين فشلنا. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

هل الثورة فشلت هل الثورة فشلت



GMT 09:20 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حرب المقايضة

GMT 09:16 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

عُمر من «نقش زهير» إلى «نقش المهد»

GMT 09:12 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

حكومة عاجزة عن حل مشكلة الكلاب الضالة !

GMT 09:08 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

كراهية الحرب... وكراهية الغرب!

GMT 09:06 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

شوكتان في حلق السيادة اللبنانية

GMT 09:03 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

ترمب وحلم طهران الساذج

GMT 06:13 2026 الجمعة ,12 حزيران / يونيو

طلبوا علاجه نفسيا لأنه مبدع

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 14:22 2025 الأربعاء ,07 أيار / مايو

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 07 مايو/ أيار 2025

GMT 11:46 2018 السبت ,27 تشرين الأول / أكتوبر

محمد صلاح يقود نادي "ليفربول" ضد "كارديف سيتي" السبت

GMT 08:51 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

توازن بين حياتك الشخصية والمهنية

GMT 02:00 2018 الأحد ,07 تشرين الأول / أكتوبر

حكايات السبت

GMT 11:27 2026 الإثنين ,05 كانون الثاني / يناير

الإصابات تضرب الأهلي قبل عودة الدوري
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt