توقيت القاهرة المحلي 04:38:07 آخر تحديث
  مصر اليوم -

رسالة من مالطا

  مصر اليوم -

رسالة من مالطا

معتز بالله عبد الفتاح

نحن بصدد كتابة دستور جديد، وبين دعاوى الانسحاب من ناحية والرغبة فى المغالبة العددية من ناحية أخرى نحن بحاجة إلى أن نعرف كيف يدير الآخرون حواراتهم، ليس لأننا سنلتزم بما يفعله الآخرون، ولكنه أقرب إلى من يؤذن فى مالطا. إذن هى رسالة من مالطا مضمونها أننا يمكن أن نتخيل هرما له قاعدة وله رأس وبينهما أدوار من البدائل المتاحة لنا. فأولا فى قاع الهرم هناك ما يمكن تسميته «سب الشخص» (name-calling)، وهو أدنى مراتب الاختلاف، ومع الأسف الأكثر شيوعا فى مصر، وفيه تنطق بعض الألسنة بما فى النفوس فتهوى بأصحابها. الطابق الأعلى مباشرة فى هرم الاختلاف هو «مهاجمة الشخص» (ad hominem)، ليس بالسب ولكن بتوجيه انتقادات ليس لها علاقة بجوهر الفكرة المطروحة، فننشغل بالأشخاص والأشياء أكثر من مضمون ما يقدمونه من أفكار وتحليل للأحداث، فيُتهم كاتب ما بأنه من «محاسيب إيران»، لأنه يوضح أن إيران نجحت فيما أخفقت فيه مصر سابقا من تحقيق معدلات أداء اقتصادى وعسكرى وتكنولوجى، ومع ذلك من الممكن أن يكون انتقاد الكاتب مبررا إذا كان مبنيا على أسباب (حتى لو اختلفنا معها)، كانتقاد من يدافع عن حزب أو جماعة بانتقائية شديدة للمعلومات أو بتزييفها، ولكن هنا لا نقول إن هذا الأسلوب هو «مهاجمة للشخص» وإنما هو انتقاد لمصداقيته أو منهجه بأدلة مرتبطة بالقضية موضع النقاش. الطابق الثالث فى هرم الاختلاف هو «مناقشة التوجه العام» (responding to tone)، وهو أقل النقاشات الجادة سوءا، إذن نحن بدأنا نناقش نقاشا علميا ولكن فى أدنى مستوياته، لأننا بدأنا نناقش الموضوع وليس كاتب الموضوع، وهنا يكون الانتقاد موجها للتوجه العام للموضوع دون تحديد أين مواضع الخلل فيه بشكل مباشر، فكأنك ترسم دائرة كبيرة على مقال وتقول: هذا مقال «متأسلم» أو «تجارة بالدين»، أو إن المقال من «أوهام العلمانيين المتغربين». هذا توجه عام يمكن أن يكون مرفوضا عند شخص ما، لكن ما الفائدة التى عادت على القارئ أو المستمع ما لم يقدم الرافض أسبابا واضحة للرفض بحيث تكون قابلة للنقاش؟ الطابق الرابع فى هرم الاختلاف هو «المعارضة» (opposition)، وهنا نكون بدأنا فى النقاش الجاد فعلا، فيقدم الكاتب ما يفيد اعتراضه على ما يقرأ أو يسمع مع بعض الأدلة هنا أو هناك بما يثبت وجهة نظره، وقد تكون المعارضة للفكرة المركزية (central point)، أو لقضية هامشية، أو استشهاد يراه المعترض فى غير محله لكن مع الموافقة على الفكرة المركزية. الطابق الخامس فى هرم الاختلاف يتمثل فى تقديم طرح بديل (counterargument)، وبالتالى هو اعتراض واضح على المقولة المركزية ومعها أسباب الرفض، ثم طرح فكرة مغايرة تماما للفكرة الأصلية. والطابق السادس والأخير أن يكون كل ما نكتبه إما عليه دليل أو على الأقل يمكن إثباته (provable)، أو يمكن دحضه (falsifiable)، بالرجوع إلى مصادر معلومات وأفكار أو خبرات دول أو أشخاص آخرين حتى يمكن القياس عليها والاستفادة منها. أزعم أن الكثير من حواراتنا، بالذات التى يكون الدين طرفا فيها، تتحول تلقائيا إلى منطق «الذات الاستنباطية» التى يصبح فيها الشخص وما قرأ أو سمع (مهما كان قليلا) هو المرجعية ومن يخالفه «لا يعترف به». شاب فى العشرينات من عمره قال لى إنه لا يعترف بالشيخ القرضاوى، فسألته عمن يعترف به إذن، قال لى: «العلماء الثقات مثل ابن باز وابن عثيمين وآخرين»، قلت له: «سبحان الله، إن هؤلاء وصفوا الشيخ القرضاوى بأنه (علامة)، وهو وصفهم بأنهم من (أعلام الاجتهاد)»، وصدق قول القائل: «من وسع علمه قل إنكاره»، و«لا إنكار فى مختلف فيه». ولكن فهم هاتين القاعدتين أصلا يحتاج ثورة فكرية. الأمل فى الجيل الجديد، ولكن الجيل الجديد لا يستمع لأهل مالطا. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

رسالة من مالطا رسالة من مالطا



GMT 04:40 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

العراق يدخل الحرب ولكن بشكل جديد

GMT 04:38 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

فرحة الثانوية

GMT 04:36 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

أنا.. «ربَّةُ منزل»

GMT 04:34 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

فاروق حسني.. التكريم يتكرم به!

GMT 04:32 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

مقدسات كده وكده

GMT 04:30 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

الكلمة.. والعُملة

GMT 04:28 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

الرأسمالية …!

GMT 04:27 2026 الخميس ,30 تموز / يوليو

لاتصدق كل ما يقال لك

GMT 04:51 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حظك اليوم برج الأسد الأحد 14 يونيو/ حزيران 2026

GMT 09:12 2026 الجمعة ,17 تموز / يوليو

هيونداي تقدم باليسيد 2027 بلاك الهجينة

GMT 08:45 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

برج الجوزاء تبدو ساحرا ومنفتحا

GMT 10:54 2025 السبت ,04 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج العذراء السبت 04 أكتوبر / تشرين الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt