توقيت القاهرة المحلي 07:26:51 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أهمية ما يحصل في لبنان

  مصر اليوم -

أهمية ما يحصل في لبنان

بقلم: حسين شبكشي

هل الجماهير والجمهرة دوماً على حق؟ سؤال فلسفي عميق تباحث فيه جهابذة العلوم السياسية من أفلاطون إلى مكيافيللي مروراً بابن خلدون وجون هوبز.
مراجع العلوم الاجتماعية والسياسية مليئة بنقد نظريات الجماهير، التي لها علاقة بالثورات، وهناك آراء من قبل مكيافيللي وجون هوبز تفيد بأولوية الاستقرار مهما كان الحكم قاسياً، لتبقى الأولوية في مواجهة فوضى مفتوحة وعارمة قد تؤدي إلى دمار، وتؤذي الحلقات الضعيفة والفقيرة دون دور توجيهي من النخبة كما حصل في الثورتين الأميركية عام 1776 والفرنسية في 1789، إلا أن التحذير يفشل حينما يتم الاستشهاد بما حدث في الثورة البلشفية في روسيا عام 1917 والثورة الإيرانية في 1979 اللتين جاءتا بنظم شمولية شيوعية وطائفية متوحشة. ولذلك من المهم جداً التمعن فيما يحصل في لبنان هذه الأيام ومحاولة فهمه بعمق.
إن الشعوب من الجائز أن تتعايش مع المعاناة وصعوبات المعيشة والظلم تحت شعارات مثالية وحالمة تبشر بغد وردي جميل. من الممكن أن يقبلوا أن يكونوا منقادين باسم الحماية والأمن والمحافظة على البقاء الرمزي، بل وحتى على الحياة نفسها.
من الممكن أيضاً أن يتعايشوا مع قيادات ورموز وأيقونات تاريخية لهم (بشقيها السياسي والروحي) مع فجورهم ونفاقهم، وهم ينعمون بالرخاء ورغد العيش بينما هؤلاء الشعوب يعيشون في ملجأ أو فندق رخيص على أقل وأفضل تقدير ووصف.
ومن الممكن المسايرة والتعايش مع زعاماتهم التي هي أشبه بدويلات أو جزر متفرقة لا رابط بينها وكأنها مخيمات لها عمر افتراضي على ذات الأرض.
ومن الممكن أن يتعايشوا مع أي ظرف سواء أكان منطقياً أو عقلانياً أو غير ذلك فقط لتستمر الحياة، أياً كان شكل هذه الحياة. إلا أنه مع هذا المشهد تولد «اللحظة»؛ لحظة بلا ملامح ولا مقدمات، لحظة بلا شبيه، لحظة تخرج من رحم المجهول، لا يمكن توقعها ولا التنبؤ بها ولا تصور وقت خروجها. إنها اللحظة التي يتساوى فيها افتقاد كل شيء مع خسارة كل شيء. إنها لحظة يتساوى فيها اليأس مع الأمل والموت مع الحياة. إنها اللحظة التي تتغير فيها الحسابات عندما يفقد الإنسان فيها أي منافع وإغراءات تستحق الحياة.
الفيلسوف العبقري الألماني هيغل له كلمة مهمة في ذلك الأمر تقول إن «كل أحلام البشر وأمانيهم وأفكارهم وعلاقاتهم ومعتقداتهم وأعمالهم... كل هذه وغيرها تصب في بحر المنفعة». لبنان كان دوماً قصة نجاح «أفراد» وقصة فشل «مجتمعي»؛ لأن المجتمع كان منفصلاً عن واقعه في جزر بعيدة. اليوم هناك طوفان وهناك سفينة نوح، ولكن الطوفان هو إبقاء الوضع على ما هو عليه والسفينة هي التغيير والإصلاح. عندما يفقد شعب كامل المنفعة في دنياه، تخرج وتطفو على السطح كوابيسه وإحباطاته وهمومه وأحلام مستقبله المعلقة والمؤجلة للأبد ورغد عيشه المأمول ورخاؤه المنتظر ومطالبه المجمدة وأحلامه المحنطة كافة. يخرج إلى الميدان والشوارع والأزقة ويلتقي بوجوه كانت تصنف في خانة الأعداء والمخالفين.
عداوات تم تهييجها عبر سنوات من زراعة الشك والريبة والقلق والخوف، وتكريس كل ذلك في العقول والقلوب والنفوس؛ ليكتشفوا فجأة في هذه اللحظة السحرية العجائبية أنهم يدعسون معاً على كافة الخرافات والخزعبلات التي فرقتهم، وأنهم معاً ينشدون الشيء نفسه؛ المنفعة المحترمة المطلوبة، وأنهم جميعاً لديهم الحلم نفسه ويشبهون بعضهم بعضاً في انتماءاتهم المعنوية التي لم يعد لها نفس المعنى.
تلك المعاني روّج لها بشكل مقدس وتحولت مع مرور الوقت إلى جدار من الصلب حول العيون والعقول والقلوب منعهم عن بعض، ورؤية الحق، ومنعهم من حياة طبيعية بسيطة سهلة عقلانية يتقاسمون فيها اللذة في العيش الكريم المشترك وخيرات المنفعة التي يحلمون بها.
لبنان كان مضرباً للأمثال في الطائفية والتقسيم، ما يحصل اليوم هو رمزي ولم يكتمل... هو انتقال من خرافات غيبية كدولة الفقيه ودولة الخلافة ودولة المخلص إلى دولة المواطنة، وصولاً إلى دولة مدنية متكاملة قابلة لأن يكون فيها القانون فوق الجميع، ولكنه على الجميع وللجميع، ووقتها سيكون «تعمّر» لبنان.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أهمية ما يحصل في لبنان أهمية ما يحصل في لبنان



GMT 23:29 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحو قانون متوازن للأسرة.. بيت الطاعة

GMT 23:27 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

نحن عشاق «الكراكيب»

GMT 23:25 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

التوت و«البنكنوت»

GMT 20:38 2022 الإثنين ,12 أيلول / سبتمبر

الصفقة مع ايران تأجلت... أو صارت مستحيلة

GMT 07:51 2021 السبت ,11 أيلول / سبتمبر

الملالي في أفغانستان: المخاطر والتحديات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم

GMT 10:14 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

ترشيح مصطفى شعبان لتجسيد خالد بن الوليد لرمضان 2020

GMT 00:14 2019 الأحد ,10 تشرين الثاني / نوفمبر

نايل دراما تبحث في حقوق عرض المسلسلات على شاشتها

GMT 23:29 2019 الإثنين ,28 تشرين الأول / أكتوبر

براءة ريهام سعيد من تهمة إهانة مرضي السمنة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt