توقيت القاهرة المحلي 16:19:44 آخر تحديث
  مصر اليوم -

ليبيا وخسارة سباق مسارات التسوية

  مصر اليوم -

ليبيا وخسارة سباق مسارات التسوية

بقلم: جبريل العبيدي

ليبيا التي وحَّدها الأسلاف قبل سبعين عاماً ونيف، وضيَّعها بعض الأخلاف؛ يقسمونها بينهم قسمة كعكة بالتشظي السياسي، وبخطوات تكرس الانقسام الجغرافي وليس فقط السياسي، فالجمود السياسي يراوح مكانه، رغم محاولات البعثة الأممية لتحريك المياه الراكدة، لكن الحال لا يزال كما هو، أي حالة تشظٍّ سياسي وانقسام حاد جداً بين حكومتين وبرلمانين ومصرفين مركزيين، حتى طال الأمر المؤسسة القضائية التي هي آخر ما انقسم وتشظَّى بعد قرار المحكمة العليا الطعن في قرارات تشريعية للبرلمان، بل إنَّها ألغت قانون العفو العام، في خطوة كارثية تضرب أي محاولة للتقدم في ملف المصالحة الوطنية، بل إن المحكمة العليا بانقسامها وتفردها أحدثت شرخاً كارثياً في المؤسسة القضائية، التي لم تكن لفترة طويلة طرفاً في الصراع السياسي والانقسام.

بعد انقسام المحاكم في ليبيا، بين الرافض منها والموافق، أصبح الجدل القانوني والسياسي حول الأحكام الصادرة عن الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية أربعة قوانين أصدرها مجلس النواب؛ أبرزها قانون العفو العام رقم 6 لعام 2015، مشتعلاً ويهدد السلم المجتمعي بعد إلغاء قانون العفو العام وما ترتب عليه من أوضاع قد تهدد المصالحة الوطنية، وأصبحت ليبيا تنتقل من الخلاف السياسي إلى الخلاف القضائي وتتفاقم المعاناة وانقسام البلاد، رغم محاولات لمّ الشمل وتوحيد الصف الوطني.

ومن المسببات المحلية الأخرى في تمدد الأزمة في ليبيا، الخطوات الأحادية؛ ومنها إعلان تشكيل «الهيئة العليا للرئاسات» التي تجمع التشريعي والتنفيذي والقضاء، وهي أشبه بالخليط العجيب والهجين من طرفٍ هو في الأصل وليد اتفاق سياسي من دون مشورة باقي الأطراف الرئيسية، كما تعد خطوة خطيرة وتكريس للديكتاتورية، بل تحرض على الانفصال والمطالبة بالحكم الذاتي، وهي باطلة قانوناً ومخالفة لاتفاق جنيف المكمل لاتفاق الصخيرات، وجميعها أصبحت في حالة موت سريري يستعجل الدفن. وكل هذا عدا عن تفرد مجلس الدولة الاستشاري بتكليف رئيس للمفوضية العليا للانتخابات في خطوة انفرادية من مجلس الدولة الاستشاري، الذي هو في أصل اختصاصه غرفةٌ استشارية للبرلمان، وليس مناظراً له، كما يحاول يُصدّر ذلك المجلس وأعضاؤه الذين أغلبهم من عناصر الإسلام السياسي، وليسوا منتخَبين كما هو الحال مع أعضاء البرلمان، بل هم (أي أعضاء مجلس الدولة) امتداد لأعضاء المؤتمر الوطني السابق الذي مضى على انتخابه أكثر من أربعة عشر عاماً، مما يعني انتهاء ولايته، بل أُعيد إحياؤه تحت مسمى «مجلس الدولة» في اتفاق الصخيرات السياسي.

غياب الأجندة الوطنية وتغليب الخارجية عليها من أسباب تعثر الحل في ليبيا، مما تسبب في تعثر الوطن في النهوض من كبوته التي طال بها الزمن، حيث تنقلت الأزمة الليبية بين عواصم العالم: من برلين واحد واثنين، وباريس، والصخيرات، وبوزنيقة، المغربيتين، وصلالة العمانية، وتونس التونسية، وجنيف، وغدامس الليبية، من دون الوصول إلى اتفاق دائم للحل لا ينقلب عليه أيٌ من الطرفين الرئيسيين، خصوصاً الانتهازيين منهم.

فالسياسيون الانتهازيون هم السبب الأساس في خراب ليبيا، وذلك من خلال فشلهم السياسي في إيجاد تسوية للأزمة الليبية التي بدأت تتفاقم مع اللاءات لمنع الانتخابات في المدى القريب، أو ربما لا انتخابات أبداً في ليبيا المنكوبة بالفوضى والمراحل الانتقالية وصراع الشرعيات، الأمر الذي يعكس حالة من استمرار التشظي، بعد أن ألغى البعض قانون العفو العام الذي عُدّ رصاصة الرحمة على مشروع المصالحة الوطنية، ونجاح الطرف المتطرف في تحقيق هدفه باستمرار الصراع والتشظي في انتظار من يتغلب بقوة السلاح، خصوصاً في ظلّ سعي الطرفين إلى التوسّع في التدريب والرغبة في التسلح بشكل كبير.

بعض النخب السياسية الفاسدة هي من تردد الحديث عن الانتخابات رياءً، وتمنعها بذرائع مختلقة وعديدة وعرقلة أي شيء ليس مفصلاً على مقاس أعضائها، بدليل رفضهم قوانين الانتخابات الليبية، مما يعني أنهم لا يعترفون بالعملية الانتخابية ونتائجها إلا في حالة فوز مرشحيهم فقط.

ليبيا اليوم مهدَّدة بالانقسام الجغرافي، بعد أن اكتملت أركان الانقسام والتشظي السياسي والعسكري، مما قد يدفع البلاد نحو كارثة لا تختلف عن انقسام السودان واليمن، على الرغم من أنَّ ليبيا لا تستطيع الاستمرار إلا دولةً موحدةً حتى ولو بالفيدرالية أو الكونفيدرالية، المهم أن تكون دولة واحدة موحدة، وإلا ستنهشها الدول. وفي حال انقسامها ستطالب الدول حتى تلك التي في أعالي البحار كاليونان وتركيا اللتين تتسابقان على الجغرافيا الحدودية مع ليبيا طمعاً في غاز وبترول المتوسط، بترسيم حدود جديدة مع ليبيا المنقسمة إلى دولتين شرقاً وغرباً، وحينها تضيع حقوق ليبيا الموحدة وحتى المنقسمة على نفسها.

 

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

ليبيا وخسارة سباق مسارات التسوية ليبيا وخسارة سباق مسارات التسوية



GMT 10:36 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

ملفات منتحر

GMT 10:36 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

ليبيا... سيف القبيلة وغصنها

GMT 10:34 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

شيطنة الغرب للانتقام من مظالمه

GMT 10:33 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

مناخ شجاع ومعتدل للاستثمار

GMT 10:32 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

الولايات المتحدة وإيران... العودة من الحافة

GMT 10:30 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

قراءة في اغتيال سيف الإسلام القذافي

GMT 10:29 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

إيران: السلطة والمجتمع أزمة تعاقدية

أجمل فساتين السهرة مع بداية فبراير من وحي إطلالات نجمات لبنان

القاهرة - مصر اليوم

GMT 05:58 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

سنغافورة مدينة الأحلام لمحبي السفر والمغامرة
  مصر اليوم - سنغافورة مدينة الأحلام لمحبي السفر والمغامرة

GMT 07:14 2026 الجمعة ,06 شباط / فبراير

دواء شائع للسكري قد يحمي من سبب رئيسي للعمى
  مصر اليوم - دواء شائع للسكري قد يحمي من سبب رئيسي للعمى

GMT 13:41 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الجوزاء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 13:47 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج العذراء السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 20:58 2016 الجمعة ,28 تشرين الأول / أكتوبر

لجان البرلمان المصري تستعد لمناقشة أزمة سورية

GMT 12:09 2023 الأربعاء ,08 تشرين الثاني / نوفمبر

ليفاندوفسكي يقترب من الدوري الأميركي

GMT 15:31 2020 السبت ,25 كانون الثاني / يناير

إثيوبيا تبدأ فحص "كورونا الصين" في مطار أديس أبابا

GMT 19:09 2019 الأربعاء ,20 تشرين الثاني / نوفمبر

البرلمان يزف بشرى بشأن أسعار الدواء في مصر

GMT 09:24 2019 الجمعة ,15 تشرين الثاني / نوفمبر

سعر الدولار في مصر اليوم الجمعة 15 تشرين الثاني نوفمبر 2019

GMT 20:28 2019 الثلاثاء ,12 تشرين الثاني / نوفمبر

زفيريف يعود للمشاركة في بطولة شتوتجارت استعدادا لويمبلدون

GMT 22:47 2017 الإثنين ,18 كانون الأول / ديسمبر

طرح أغنية "الأصيل أصيل" في جميع القنوات الفضائية

GMT 08:52 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج السرطان الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt