توقيت القاهرة المحلي 10:46:47 آخر تحديث
  مصر اليوم -

السعودية وإنقاذ اليمن

  مصر اليوم -

السعودية وإنقاذ اليمن

بقلم : يوسف الديني

لم تعدِ الأزمة اليمنية قابلةً للقراءة بوصفها صراعاً تقليدياً على السلطة أو نزاعاً بين أطراف متحاربة، بل تحوَّلت أزمةَ دولةٍ غائبة، أو بأدقّ من ذلك: أزمة «دولة فراغ». هذا الفراغ، لا الحرب وحدها، هو الخطر الحقيقي الذي يجعل اليمن قنبلةً مؤجلةً تهدد اليمنيين ومحيطهم الإقليمي على حد سواء.

ما جرى في وادي حضرموت أواخر عام 2025 كشف هذه الحقيقة بوضوح غير مسبوق. لم يكن الحدث مجرد احتكاك أمني أو تنافس نفوذ محلي، بل لحظة مفصلية انتقلت فيها حضرموت من الهامش إلى المركز، ومن إقليم مؤجَّل الصراع إلى عقدة استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا، وأمن الحدود، والموارد، ومستقبل الدولة اليمنية نفسها. الوادي بات معياراً حاسماً لشكل اليمن القادم: إما استمرار إدارة الفراغ بالقوة، أو الشروع في مسار ينهي الفراغ ويعيد الاعتبار لفكرة الدولة.

حضرموت، تاريخياً، لم تكن أرضاً سهلة الابتلاع. فقد تشكّل الوادي قبل الدولة اليمنية الحديثة كفضاء اجتماعي - قبلي ينظم الأرض والماء وطرق العبور، بينما انفتح الساحل على التجارة والهجرة. هذا التكوين أنتج لا مركزية طبيعية قاومت أي مركز سياسي قسري، وجعل التفاوض مع السلطة هو القاعدة لا الخضوع لها. وحتى مع تعاقب الدول والأنظمة، ظلَّ الوادي محتفظاً بشرعية اجتماعية مستقلة، عصيّة على الضبط الكامل. ومع الوحدة اليمنية، دخلت حضرموت في علاقة قبول حذر مع المركز، تعمّقت خلالها فجوة الموارد والتمثيل، ما عزز خطاب الحقوق لا خطاب الانفصال.

مع انهيار المركز اليمني بعد 2011، ثم تفكك الدولة بفعل الحرب، لم تسقط الدولة دفعةً واحدةً، بل فُرِّغت تدريجياً. في الجنوب، لم يُملأ هذا الفراغ بدولة بديلة، بل بتعدد سلطات وسلاح ومشاريع أمر واقع تحت مظلة شرعية عاجزة عن الحكم. في هذا السياق، برزت محاولات فرض السيطرة بالقوة بوصفها حلاً زائفاً لأزمة الفراغ، لا معالجة لها.

ما جرى في حضرموت لم يكن دفاعاً عن مظلومية أو تصحيحاً لمسار الدولة، بل محاولة لإعادة إنتاج منطق الميليشيا ذاته: ملء الفراغ بالقوة بدل ملئه بالمؤسسات، وتحويل الموارد إلى أدوات ضغط، وفتح صراع داخلي يفتك بالنسيج الجنوبي نفسه. إدانة هذا السلوك لا تعني الحنين إلى دولة مركزية فاشلة، بل الدفاع عن فكرة الدولة بوصفها نقيضاً للفوضى، لا واجهة لها.

فشل الحسم السريع في الوادي لم يكن تفصيلاً عسكرياً، بل نتيجة طبيعية لتركيبة حضرموت الاجتماعية، واتساعها الجغرافي، ووجود سقف إقليمي واضح يمنع تحويلها إلى ساحة مغامرة. هنا بلغ منطق الوكلاء حدوده القصوى: ما يمكن فرضه في مدن منهكة لا يمكن استنساخه في إقليم متماسك، متصل مباشرة بالأمن الإقليمي، ويملك شرعية محلية راسخة. الأخطر أنَّ أي صدام داخلي لا يضعف إلا فرص قيام دولة يمنية قابلة للحياة، ويُبقي البلاد أسيرة الفراغ المفتوح.في هذا المشهد، يبرز الدور السعودي لا بوصفه طرفاً في الصراع، بل بوصفه الضامن الأكثر اتساقاً مع مصلحة اليمنيين أنفسهم. فالسعودية ليست دولةً تبحث عن نفوذ عابر في اليمن، بل دولة متداخلة معه تاريخياً واجتماعياً وأمنياً. أمن اليمن جزء من أمنها القومي، وحدوده من حدودها، واستقراره شرط لاستقرارها الداخلي. وجود ملايين اليمنيين داخل المملكة ليس تفصيلاً ديمغرافياً، بل تعبير عن عمق العلاقة، وأي انهيار يمني هو عبء مباشر على السعودية قبل غيرها.

على عكس منطق إدارة الفراغ، لم تتعامل السعودية مع اليمن بوصفه غنيمة أو ساحة تصفية حسابات، بل بوصفه دولة يجب أن تقوم، حتى وإن تطلب ذلك تكلفة عالية. التحول السعودي من التدخل المباشر إلى دور الضامن الاستراتيجي يعكس هذا الفهم: لا تفكك للشرق اليمني، لا عسكرة للموارد، ولا صراعات داخلية تُدار بالقوة. حضرموت هنا ليست ساحة نفوذ، بل بوابة إنقاذ.

المقاربة السعودية لا تقدّس هيكل أو شكل الدولة اليمنية في إطار محدد سابق، ولا تروّج لعودة مركزية معطوبة، بل تفتح سؤال المستقبل: كيف يُبنى يمن خارج منطق الفراغ؟ الجواب لا يكون بسلطة أمر واقع تحل محل أخرى، بل بتصور يعالج المظلوميات، ويحيّد الموارد، ويؤسس لا مركزية واسعة بضمانة إقليمية مسؤولة، تعيد تعريف الشرعية بوصفها قدرةً على توفير الأمن والخدمات، لا مجرد شعارات.

اليمن اليوم أمام مفترق واضح: إما الاستمرار في الدوران داخل دولة الفراغ حتى الانفجار، أو الشروع في بناء دولة مستقبلية تبدأ من حضرموت، وبرعاية إقليمية جادة، في مقدمتها السعودية، بوصفها الطرف الأقدر على كسر حلقة الفراغ وفتح أفق الدولة.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

السعودية وإنقاذ اليمن السعودية وإنقاذ اليمن



GMT 06:43 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

عودة التاج

GMT 06:39 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

إسرائيل الكبرى وإيران الكبرى

GMT 06:19 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مراجعات الأولويات أولاً!

GMT 06:16 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

الإنسان أولًا ومصر لم تكن أبدًا «ريعية»

GMT 06:14 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

لبنان يهرول

GMT 06:12 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

خطاب ملك فى زمن ضجيج

GMT 06:11 2026 الجمعة ,01 أيار / مايو

مطعمها حرام

أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 22:42 2021 الأربعاء ,27 تشرين الأول / أكتوبر

روبوتات نانوية لتوصيل الدواء داخل جسم الإنسان

GMT 10:16 2017 الجمعة ,03 تشرين الثاني / نوفمبر

عندما يزهر الخريف

GMT 08:03 2026 الإثنين ,26 كانون الثاني / يناير

مبابي يتقدم على أبرز المهاجمين في السباق نحو الحذاء الذهبي

GMT 21:46 2018 الأربعاء ,31 تشرين الأول / أكتوبر

ساندي تتعرض لإصابة أثناء تصوير مشاهد فيلم "عيش حياتك"

GMT 19:38 2017 الخميس ,05 تشرين الأول / أكتوبر

سعر الجنيه السوداني مقابل الجنية المصري الخميس

GMT 19:14 2016 الخميس ,18 شباط / فبراير

اصابة شريف إكرامي بشد في العضلة الخلفية

GMT 04:21 2017 الثلاثاء ,14 شباط / فبراير

شركة "جاكوار" تقدم السيارة الجديدة "F-PACE" الفارهة
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt