بقلم:د. وحيد عبدالمجيد
وحدها السلطات الإيرانية تعرف حجم الأضرار التى أصابت المنشآت النووية خلال العدوان. تستطيع أجهزة استخبارات أمريكية، وغربية أخرى، تقدير هذه الأضرار بدرجة أقل من الدقة. أما نحن فليس فى إمكاننا إلا الانتظار حتى تتضح الصورة. ولكن إلى أن يحدث ذلك يمكننا تأمل المشهد للوصول إلى استنتاجات أولية.
أول هذه الاستنتاجات أن الضربات الإسرائيلية الكثيرة فشلت فى تحقيق هدف تدمير المنشآت النووية. وهذا استنتاج منطقى. فلو أنها نجحت لما كانت هناك حاجة إلى مشاركة أمريكية مباشرة فى الحرب بعد تسعة أيام كانت فيها واشنطن شريكًا كاملاً ولكن بشكل غير مباشر من خلال الدعم والمساعدة استخباراتيًا ودفاعيًا.
والاستنتاج الثانى أن الضربة الأمريكية على منشآت فوردو ونطنز وأصفهان أحدثت أضرارًا كبيرة فيها، ولكنها ليست شاملة لا تبقى ولا تذر. ولذا سيتوقف تقدير مصير هذه المنشآت، وهل تحتاج إلى إعادة تأهيل أم إلى إعادة بناء بالكامل، على حجم الأضرار التى حدثت.
والاستنتاج الثالث، والأهم، هو أن برنامج إيران النووى لم ينته. الأكيد أن الضربات أعادته إلى الوراء، ولكنها لم تقض عليه. فهذا البرنامج لا يقتصر على المنشآت التى ضُربت. وحتى إذا كانت قد دُمرت ففى إمكان من بناها أن يُشيَّد غيرها، والمنشآت عنصر واحد من ثلاثة عناصر أساسية لأى برنامج نووى. وهى العنصر الأسهل من حيث القدرة على إيجاده.
والعنصران الآخران هما المعرفة التقنية والمواد اللازمة لإنتاج طاقة نووية. فأما المعرفة فتفيد المعلومات المتداولة بأنها متوافرة. فقد حقَّقت إيران تراكمًا كبيرًا فيها بواسطة مئات العلماء والتقنيين المتخصصين. فإذا أُغتيل عشرة منهم أو أكثر فهذا لا يعنى القضاء على معرفة تراكمت طوال ما يقرب من ثلاثة عقود على الأقل. وأما المواد اللازمة فيبدو أن طهران استطاعت الحفاظ على أهمها، وهو مخزون اليورانيوم المُخصب بنسبة نقاء مرتفعة. ووفقًا لـ«واشنطن بوست» و«رويترز» فقد نُقل هذا المخزون من منشأة فوردو قبل ثلاثة أيام من قصفها.
وهكذا يتبين مرة أخرى، ولن تكون الأخيرة، أن الاعتداءات والجرائم لا تفيد فى معالجة قضايا معقدة مثل قضية قدرات إيران النووية.