توقيت القاهرة المحلي 01:15:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

"دعبول" من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة

لا تنطبق اشتراطات البطل التراجيدي أو الإشكالي على شخصية دعبول على الرغم من حياته المأساوية المُفجعة حيث وجد نفسه وحيدا مُشرّدا بعد أن ماتت أمه وأخته «بدرية» في الحريق الذي امتدّ إلى منزلهم من المستودع الإنكليزي في «باب السيف». قد يتعاطف القارئ مع هذه الشخصية الشعبية، لكنه لا يحاول تقليدها أو تقمّصها، وربما يكون السبب الرئيسي في عدم اعتناق مثل هذه الشخصيات هو هامشيتها، وانسحابها إلى الحافات والمناطق المهملة التي لا تثير شهية الآخرين، ولكنها تثير في القارئ «الشفقة والخوف» كما يذهب أرسطو. يأخذ دعبول من البطل الإشكالي بعضا من خصائصه المعروفة مثل «السعي نحو القيم الأصيلة، بينما يعيش هو في عالم متفسِّخ»، كما أنه لا يصل إلى تحقيق هدفه المنشود، وقد يتخاذل إلى الدرجة التي يقترب فيها من البطل السلبي الذي يفكر كثيرا، ويفعل قليلا، أو ربما لا يصدر عنه أي فعل على الإطلاق. يمكن اعتبار دعبول شخصية بايرونية لأن «بطلها يغرق في الوحدة والغموض، ونادرا ما تراه يبتسم، أو تسمعه يتأوّه». وعلى الرغم من توفر بعض الأجواء الرومانسية لدعبول، إلا أن مساحتها الضيقة لا تتيح لنا القول إنه بطل رومانسي، ذلك لأنه يعيش الأجواء الرومانسية في أحلامه الفنتازية ومخيلته المشتعلة جرّاء الوجد الشديد أو التجليات العاطفية أكثر مما يعيشها على أرض الواقع. إذن، يمكننا أن نطلق على دعبول توصيف البطل السلبي الذي يكتفي بردود الفعل المحدودة التي تظل تدور في ذهنه ومخيلته من دون أن يقوم بأي فعل يُذكر. * البنية المتداخلة * لا تعتمد رواية «دعبول» على خط زمني مستقيم، فالرواية قائمة في جزء كبير منها على فعل التذكر والاسترجاعات الذهنية. وحينما يُطل علينا دعبول في مستهل الرواية نراه رجلا يعاقر الخمر، ولا ينادم إلا صديقه علي الذي ينتمي إلى طبقة اجتماعية مترفة، لكنه وجد في دعبول ضالته المنشودة. وبغية توضيح هذه البنية المتداخلة لا بد لنا من اختصار قصة الرواية. فدعبول الذي فقد أمه وأخته وجد نفسه مشردا في مزارع الزهاوي التي لا يدري كيف وصل إليها، ثم نلتقيه عند عربانة عزوري التي يبيع فيها المأكولات حيث يناديه عزوري بضمير المخاطب المؤنث متصورا أنه فتاة بسبب شعره الطويل. لم يجد دعبول ضيرا في أن يتخفى وراء مظهر فتاة، وأن يستعير اسم أخته «بدرية» التي قضت نحبها في الحريق. وحينما تروق له هذه الشخصية المُستعارة يتقنّع بشخصية بائع الفجل لاحقا كي يتابع حركة مصطفى الدلال الذي يخطط للإيقاع بسليمة الخبازة، وسلب ثروتها سواء تلك التي جمعتها بشق الأنفس أم التي ورثتها من زوجها الطاعن في السن الذي فارق الحياة. لا تخلو هذه الشخصية المقنّعة لدعبول من مفارقات ومواقف طريفة فحينما أرادت «رحلو»، زوجة عزّوري أن تصطحبه إلى حمّام النساء هرب لكي لا ينكشف أمره فالتجأ إلى بيت حفيظة حتى لا تنكشف شخصيته الحقيقية. وحينما تقرر حفيظة أن تذهب لزيارة مرقد الكاظم وتترك طفليها الصغيرين حيدر وفاطمة مع بدرية ينكشف أمرها أو أمره. لا يجد دعبول بُدا من الهرب إلى منزل بدري وسكينة اللذين عاملاه بالحسنى، ورعيا موهبته الموسيقية التي اكتشفاها حينما عزف على العود وغنّى أول مرة في منزل حفيظة قبل أن تكتشف ذكورته المموهة وراء شعره الطويل وملابسه الأنثوية. تتطور علاقة دعبول مع هذه العائلة السورية، لكن التحقيقات الجنائية تثبت مشاركته في لقاءات مريبة لا تحبذها الدولة، عند ذلك يقرر العودة إلى دمشق ليترك وراءه هذا الشاب الذي لم يعتد مواجهة الحياة من دون العودة لاستشارة بدري وسكينة اللذين أمدّاه بالمعرفة الحياتية التي تتجاوز العزف والغناء إلى ضرورة تعلّم القراءة والكتابة، والدعوة إلى العلم هي بحد ذاتها حدث قدسي من وجهة نظر دعبول الذي بدأ يكتسب خبرات عميقة تمتد من تعلم العزف، وغناء المقامات المتنوعة، إلى إتقان النجارة، وصناعة الأعواد، هذا إضافة إلى سويعات الصمت والتأمل التي يقضيها لوحده أو بصحبه رفيقه ونديمه المفضّل علي. وحينما يموت هذا الأخير يرفض دعبول الإقرار بموته أو المشاركة بدفنه على المذهب الذي لم يؤمن به طوال حياته، فلقد غيّر علي مذهبه واتبّع مذهب الراهبة التي صادفها بالقرب من نهر الكانجي. إن قصة حب دعبول تزدهر من طرف واحد، فهو الذي كان يعاني بصمت من دون أن يمتلك القدرة على البوح. فمذ رأى عنقها البض، وساعديها البيضاوين حينما كانت تخبز ذات مرة تعلّق بها وأحبها، لكنه كان يشعر في قرارة نفسه بأنه يطارد شبحا لا وجود له، خصوصا حينما تزوجت ذلك الرجل السامرائي الذي أخذها وتوارى عن الأنظار. إن الجانب الإشكالي في هذه القصة العاطفية التي تتأجج من طرف واحد يمكن صياغته بالسؤال التالي: «عمَّ يبحث دعبول في سليمة، هل يبحث عنها حقا أم عن أمه أو أخته فيها»؟ كان هناك هاتف داخلي ينبئه بأنها لا بد أن تعود ثانية إلى المضارب التي نشأت فيها، وأحبتها، وكرّست جل حياتها لها. وبالفعل صدقت نبوءته وعادت فتنكّر ثانية بشخصية بائع الفجل كي يراها أو يسمع صوتها في الأقل، هذا الصوت الجميل الذي أسره على مدى سنوات طويلة. يحاول دعبول أن ينقذها من فخاخ مصطفى الدلال وألاعيبه التي تنصّب على توفير الحماية والأمان والرزق الوفير، لكن أنّى له أن يفعل ذلك وهو الذي يستجير بسكينة حتى في خياله وتمنياته العابرة التي يتساءل فيها ماذا عساه أن يفعل، فلا سند ولا ملاذ سوى كأس العرق، وأوتار العود، وبضعة مقامات لا تفلح في تبديد وحدته القاسية. * استعمال الحواس * إن ما يلفت الانتباه في رواية «دعبول» هو اللغة المهجنة المكتنزة التي تجمع بين الأدب والفن من جهة، وبين استعمال الحواس وتوظيفها بطريقة فنية معبِّرة جدا. فقد وظّفت بورتر الحواس الخمس برمتها، فمنذ مفتتح النص الروائي نرى دعبول وهو يميّز بين نغمات الجوزة والقانون، وبين مقام الصبا والبيات، وحينما يصبح عوّادا صار يعرف أنّ لكل عود وقعه الخاص الذي لا يميّزه حتى العازف المتمرس، بل صانعه الذي يضع فيه قطعة من فؤاده. ثمة أمثلة كثيرة لا يمكن حصرها على توظيف حاسة السمع، ولكننا سننتقل إلى بعض الحواس الأخرى لنؤكد صحة ما نذهب إليه. فحاسة البصر تأخذ قسطا لا يقل أهمية عن حاسة السمع، وهذه الهيمنة متأتية من كون الروائية أمل بورتر هي فنانة تشكيلية بالأساس فلا غرابة أن تحضر الألوان الحارة والباردة وانعكاسات أشعة الشمس وضياء القمر على صفحات مياه دجلة وشرائعها المتعددة، كما تحضر الزهور الملونة، وأوراق الأشجار اليانعة على الستائر، والوسائد، وأفرشة النوم، وأغلفة العود القماشية. لا بد من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أن سليمة الخبازة هي شخصية مستعارة من رواية «النخلة والجيران» لغائب طعمة فرمان، أما بقية الشخصيات فهي حقيقية، لكنها وجدت طريقها إلى هذا النص الروائي بفعل المخيلة المتوهجة التي تتوفر عليها الروائية التي أفلحت في عملتي التناص والتلاقح مع رواية فرمان التي ورد ذكرها توا.

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة دعبول من المستنقع الإنجليزي إلى بيت سليمة الخبازة



ياسمين صبري تتألَّق باللّون الأحمر المميّز

القاهرة ـ مصر اليوم

GMT 10:55 2022 الأربعاء ,28 أيلول / سبتمبر

تنسيق السراويل باللون البني لخريف 2022
  مصر اليوم - تنسيق السراويل باللون البني لخريف 2022

GMT 11:07 2022 الأربعاء ,28 أيلول / سبتمبر

كيفية توظيف المرايا في الديكور الداخلي
  مصر اليوم - كيفية توظيف المرايا في الديكور الداخلي

GMT 09:02 2022 الثلاثاء ,27 أيلول / سبتمبر

بلينكن يؤكد التزام بلاده بدعم شعب باكستان
  مصر اليوم - بلينكن يؤكد التزام بلاده بدعم شعب باكستان

GMT 12:52 2022 الثلاثاء ,27 أيلول / سبتمبر

أنغام وسميرة سعيد تتألقان في أزياء باللون الأخضر
  مصر اليوم - أنغام وسميرة سعيد تتألقان في أزياء باللون الأخضر

GMT 15:57 2022 الخميس ,01 أيلول / سبتمبر

البندقية مدينة السحر لعشاق الهدوء والرومانسية
  مصر اليوم - البندقية مدينة السحر لعشاق الهدوء والرومانسية

GMT 12:04 2022 الثلاثاء ,27 أيلول / سبتمبر

اكسسوارات للمنازل كفيلة لتجميل الديكورات
  مصر اليوم - اكسسوارات للمنازل كفيلة لتجميل الديكورات

GMT 02:07 2021 الثلاثاء ,30 آذار/ مارس

حسام البدري يوضح حقيقة الخلافات مع طارق مصطفى

GMT 17:15 2021 الجمعة ,19 آذار/ مارس

عروض كتب للأطفال في مكتبة الأقصر الثقافية

GMT 06:01 2021 الأحد ,17 كانون الثاني / يناير

دبي تطلق "تاكسي لندن" في شوارعها تجريبيا الشهر المقبل

GMT 08:59 2021 الجمعة ,15 كانون الثاني / يناير

مصدر توهج عملاق يجتاز المريخ ويحيّر العلماء

GMT 17:51 2021 الأربعاء ,13 كانون الثاني / يناير

الأرصاد المصرية تعلن الظواهر الجوية خلال 6 أيام

GMT 03:47 2021 الجمعة ,08 كانون الثاني / يناير

نادي فالنسيا يكتسح يكلانو برباعية في كأس ملك إسبانيا
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2021 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
Egypttoday Egypttoday Egypttoday
Egypttoday
بناية النخيل - رأس النبع _ خلف السفارة الفرنسية _بيروت - لبنان
Egypt, Lebanan, Lebanon