توقيت القاهرة المحلي 09:41:28 آخر تحديث
  مصر اليوم -

العالم يتخلّى عن روحه في لحظات باريسيّة

الأكثر قوّة والأكثر هشاشة بين الكائنات

  مصر اليوم -

  مصر اليوم - الأكثر قوّة والأكثر هشاشة بين الكائنات

الكاتب والأديب اللبناني عيسى مخلوف
بقلم : عيسى مخلوف

رسالة إلى عبّاس بيضون

دعني أتذكّر، الآن، لحظتين اثنتين من لحظاتنا الباريسيّة: اللحظة الأولى حديثة العهد. كانت آخر مرّة جئتَ فيها إلى هنا وذهبنا لحضور المعرض المخصّص لأوسكار وايلد في متحف "القصر الصغير" حيث طالعتنا المخطوطات والكتب والصُّوَر الفوتوغرافية و الأعمال الفنّية ومن بينها لوحة زيتيّة كبيرة تظهر فيها الممثلة الإنكليزية ليلّي لانغتري، وقد أنجزها، في العام ١٨٧٨، الفنان إدوارد بوينتر. عُرضَت، الى يمين اللوحة، كلمات أوسكار وايلد المهداة إليها.

لستُ أدري فيما كنتَ تفكّر وأنتَ تراقب اللوحة. أمّا أنا فتخيّلتُ نظرات تلك المرأة حين كانت تتكلّم أو تحزن أو تبتسم، وحين تلتفت إلى المرآة لترى الأيّام كيف تمرّ مسرعةً بين تقاسيم وجهها، وخصوصًا بين العينَين الملتمعتَين المندهشتَين.

عندما هممتُ بالانتقال إلى لوحة أخرى، بقيتَ أنتَ مسمَّرًا في مكانك، لا تشيح نظرك عن "مسز" لانغتري ولا تشبع من رؤيتها. فاقتربتُ منكَ ووجدتكَ تتمتم هامسًا: "ما أجملها". وتساءلتُ أمامكَ، يومها، السؤال الذي لا جدوى منه: كيف لهذا الجمال أن يكون تحت التراب؟ عندئذ، سمعتك تقول، من دون أن تنظر إليّ، بل وأنتَ تحدّق في الأرض كأنّك تبحث عن شيء أضَعتَه: "هذا ما أفكّر فيه كلّ يوم".

اقرأ أيضًا:

الأحلام الشرقية للكاتب اللبناني عيسى مخلوف في طبعته الثانية

ماذا كنتَ تقصد بالتحديد؟ وهل من حاجة إلى السؤال عن موضوع تعجز اللغات عن صَوغه. سمِّه، إذا شئت، جرح الولادة السّرّيّ، الجرح الذي لا يندمل، أو اختَر له أيّ مجاز آخر. إنّه سرّنا جميعًا. ومع ذلك، يحاول كلّ منّا أن يخفيه عن الأعين، كما لو أنّه سرّه وحده. إنّه الموت، الشيء الأكيد الوحيد، لدرجة أظنّ معها أنّ الحياةَ نفسها أحد فروعه، وأحد أشكاله وتنويعاته. نحن هنا، الآن، كمجموعة من الغيوم. فجأةً نوجد، وفجأةً نختفي، كأنّنا لم نكن، فيبدو وجودنا كلّه ضَربًا من السِّحر.

خرجنا من المتحف في اتّجاه المقهى المجاور، حيث نلتقي في العادة، وأكملنا حديثنا. أخبرتني عن صمت بسّام حجّار وعن حالة الأرق التي لازمته في الأشهر الأخيرة قبل وفاته. وأخبرتكَ عن لقائي الأخير به في مدينة "لوديف".

كلّما نلتقي، يكون بسّام حاضرًا بيننا.

اللحظة الثانية التي أتذكّرها كانت منذ سنوات في أمسية شعريّة جمعَتنا في "المركز الثقافي المصري" مع أحمد عبد المعطي حجازي وحسن طلب. ذلك اليوم، نظرتَ إلى الجموع نظرتك المعهودة حين تبدأ بالكلام كأنك تقرأه على لوح أسود. تتكلّم وتستطرد. تتدافع الكلمات أمامك كأمواج متلاحقة، تذوب الواحدة منها في الأخرى. كان نظركَ يذهب أحيانًا أبعد من الحاضرين، نحو حديقة "اللوكسمبور" الماثلة وراء مربّعات الزجاج. وكنتَ كأنكَ تروي للشجر والبشر على السواء ما حلَّ بالشعر. الشعر الذي يخرج الآن من مخبئه، لا يعرف أحدًا ولا أحد يعرفه. وسرعان ما يرتفع صوتك، وأنتَ ترثي هذا الكائن الأكثر قوّة والأكثر هشاشة بين سائر الكائنات. كنتَ ترثيه بلا حسرة ولا نحيب، وترى العالم حوله كيف يتحلّل ويتخلّى عن روحه.

كنتَ تودّع الشعر الذي يناديه سوفوكليس من وراء الأزمنة البعيدة قائلًا: "تكلَّم يا طفل الأمل المُذَهَّب، يا الصَّوت الأبديّ".

وكنتُ أخالك، يا صديقي، تَنعى العالم فيما تَنعى الشعر. العالم الذي يمسكه بقرنَيه أباطرة السلطة والعنف والمال. العالم المُسرع إلى حتفه كأنّه ذاهب لمُلاقاة قدره المحتوم.

قد يهمك ايضا

وداع مشترك في المكسيك وكولومبيا لغابرييل غارسيا ماركيز

جامعة تكساس تحصل على المحفوظات الشخصية لماركيز

egypttoday
egypttoday

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الأكثر قوّة والأكثر هشاشة بين الكائنات الأكثر قوّة والأكثر هشاشة بين الكائنات



أناقة درة في ربيع 2026 تجمع بين البساطة والراحة

تونس ـ مصر اليوم

GMT 04:33 2026 الثلاثاء ,21 إبريل / نيسان

مرسيدس تكشف الستار عن C-Class موديل 2027الجديدة كلياً

GMT 09:33 2021 الإثنين ,20 أيلول / سبتمبر

حظك اليوم الإثنين 20/9/2021 برج القوس

GMT 08:15 2020 الأربعاء ,28 تشرين الأول / أكتوبر

حظك اليوم برج الأسد الخميس 29 تشرين الثاني / أكتوبر 2020

GMT 02:05 2025 الخميس ,16 كانون الثاني / يناير

الزمالك يفاضل بين الترسانة والاتصالات لإعارة ندياي

GMT 12:40 2019 الثلاثاء ,08 تشرين الأول / أكتوبر

خواطر التدريب والمدربين

GMT 03:46 2019 الأربعاء ,10 إبريل / نيسان

أفضل تصميمات لكوشة العروس تتناسب مع أجواء زفافكِ

GMT 11:02 2018 الأحد ,16 كانون الأول / ديسمبر

دور الاستثمار العقاري الخارجي في التنمية الاقتصادية

GMT 23:12 2020 الإثنين ,06 كانون الثاني / يناير

طارق العريان يوجه رسالة لـ"أصالة" عقب إعلان الانفصال

GMT 10:53 2019 الإثنين ,21 تشرين الأول / أكتوبر

5 دلائل على زواج عمرو دياب ودينا الشربيني

GMT 12:00 2019 الإثنين ,08 إبريل / نيسان

ماجر يختار محمد صلاح أفضل لاعب عربي

GMT 15:01 2019 الجمعة ,04 كانون الثاني / يناير

أفكار مبتكرة ومتجددة لتزيين مداخل حفلات الزفاف

GMT 08:33 2025 الأربعاء ,31 كانون الأول / ديسمبر

النجمات يتألقن بلمسة الفرو في الشتاء
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt