توقيت القاهرة المحلي 14:40:12 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الملك «زوسر» فى ميدان التحرير (2-2)

  مصر اليوم -

الملك «زوسر» فى ميدان التحرير 22

عمار علي حسن
بينما كان الملك الفرعونى زوسر يتجول فى ميدان التحرير سمع شابا يقرأ من كتاب وينسب إلى الحكيم إيبور قوله عن أول ثورة جياع فى مصر: «من كان يرتق نعليه فيما مضى صار صاحب ثروة.. ومن لم يكن فى مقدوره أن يصنع لنفسه تابوتا أصبح يملك قصرا.. ومن لم يكن باستطاعته أن يشيد حجرة بات يملك فناء مسورا.. ومن لم يكن يملك ثورا صار يملك قطعانا.. ومن لم يكن يملك حفنة قمح أصبح يملك أجرانا.. . وأصبحت ربات الخدور يرتدين الخرق البالية، والعقيلات الشريفات يرقدن على الفراش الخشن.. والسيدات النبيلات اللاتى كن متاعا حسنا صرن يقدمن أجسادهن فى الفراش.. وأولاد رجال البلاط أصبحوا فى خرق بالية، وأولاد الحكام يلقون فى الشوارع». ويمسح الشاب الميدان بعينيه ليطمئن إلى امتلائه ثم يقول لهم: - فى غمرة هذه الفوضى سقط الحكم بعد أن انهارت الدواوين والمحاكم ونهبت سجلاتها، وذبح كبار الموظفين وصار من بقى منهم على قيد الحياة بلا كلمة مسموعة، وعاشت مصر بلا حكام لمدة تصل إلى ست سنوات، فانتشرت عصابات السرقة والقتل، وأفلست الخزانة العامة، ولم ينج قصر الملك نفسه من النهب، ليجد بيبى الثانى نفسه أمام هذه الحقيقة المرة، بعد أن عاش سنوات طويلة مثقلا بالأكاذيب، عازلا نفسه عن شعبه، ومسلما إياها إلى حاشية لا تجيد إلا فن النفاق والكذب والتضليل. وحين ينتهى يمصمصون شفاههم، ويقولون له: - ما أقرب الليلة إلى البارحة. فيبتسم، ويضع الكتاب فى حقيبته الجلدية الصغيرة. ودون أن يدرى حامد، مد زوسر يده فى الحقيبة وأخرج كتابا آخر، كان يجب على حامد أن يقرأ بعض ما فيه لمن حوله. ليعرفوا أن ما هم فيه الآن من تواد وتعاون ممدود فى عروقهم إلى زمن قديم. فقبل خمسة آلاف سنة كان هناك شباب مثلهم مع قائدهم أونى، يحررون بلدهم بعد أن احتله الساميون. جاءوا من الجنوب لاهثين دون أن يفقدوا ثباتهم، وكنسوا العدو أمامهم وطاردوه إلى بعيد بعيد. ظلوا شهورا سويا فى الدروب والساحات والصحارى، من غير أن يسب أحد أخاه، أو يسرق عنزه ولا خبزه، أو يخطف نعله. وها هم يعودون من جديد بعد كل هذا الزمن ليقتطعوا هذه الساحة من الجسد المترهل، وينفخوا فيها من أرواحهم. دار حول الميدان ومكث فى قلبه وقتا طويلا، ثم غادره مبتسما. انعطف يسارا، ومشى فى الممر المؤدى إلى المتحف، حتى وصل إليه. وكما خرج، دخل من دون أن يشعر به أحد، وجد باب الصندوق الزجاحى مواربا، فتحه وعاد إلى مكانه، وأغلقه خلفه. بعد شهور سمع صراخا زاعقا، وهتافات لم يسمعها من قبل. فخرج متسللا من صندوقه، ودخل الميدان على عجل، ليجد من فيه قد تغيروا. رايات سوداء ووجوه عابسة ولافتات عليها حروف مختلفة. ورأى رجالا يلبسون جلابيب بيضاء تتساقط عند ياقاتها التى تطوق الأعناق المشرئبة لحى فاحمة السواد، ما إن يدخلون الميدان حتى يجرى إليهم ناس كثيرون، ويحملونهم على الأعناق. أحدهم تهافتوا على سيارته وكادوا يرفعونها عن الأرض، ثم رفعوا أكفهم إلى السماء، وراحوا يقولون كلاما بسرعة، ويطاردون قلة من الشباب الذين رآهم فى المرة الأولى. جال فى كل جنبات المكان، فأصابه غم، وتذكر المنسيين فى هذا الصراع المقيت، وضاهاهم بالذين جاعوا فى عهده، نظرا لنقص فيضان النيل. وتذكر الرسالة التى بعث بها إلى خنوم معبود الشلال: «قلبى كان فى ضيق مؤلم، لأن النيل لم يفض لسبع سنوات. الحبوب لم تكن وفيرة، البذور جفت، كل شىء كان يملكه الفرد ليأكله كان بكميات مثيرة للشفقة، كل شخص حرم حصاده. لا يمكن لأى شخص أن يمشى أكثر؛ قلوب كبار السنّ كانت حزينة وسيقانهم انحنت متى جلسوا على الأرض، وأيديهم أخفت بعيدا. حتى خدم المعابد كانوا يذهبون، المعابد أغلقت والملاجئ غطّيت بالغبار» ويتذكر حتى هذه اللحظة الرد الذى جاءه من ختوم: «أنا سأجعل النيل يرتفع لك. لن تكون هناك سنوات أكثر عندما يخفق الغمر فى تغطية أى منطقة من الأرض. الزهور ستورق، وتنحنى جذوعها تحت وزن غبار الطلع». وقف عند تمثال عمر مكرم وصعد إليه واحتضنه، وابتسم فى وجهه ونظر إلى الميدان نظرة طويلة شاملة، ثم انسحب صامتا حزينا. استدار عند الباب الوسيع للمتحف. أعطى ظهره للواقفين والراقدين خلف الجدار السميك الأصم، ورفع وجهه ليرى الساحة الوسيعة التى طاردته قبل قليل فخطف بصره شىء يرفرف فى نوافذ البيوت المطلة على اللحى المتزاحمة، دقق النظر، فإذا بأولاد وبنات صغار، يمدون أعناقهم فوق كل الرؤوس المشحونة بالضغائن، ويمدون أيديهم برايات نصر يؤمنون بأنه لا محالة آت. نقلاً عن جريدة "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الملك «زوسر» فى ميدان التحرير 22 الملك «زوسر» فى ميدان التحرير 22



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:46 2026 السبت ,10 كانون الثاني / يناير

حظك اليوم برج الأسد السبت 10 يناير / كانون الثاني 2026

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 17:24 2025 الإثنين ,21 تموز / يوليو

صيحات ديكور المنزل الأبرز لصيف 2025

GMT 14:28 2022 الخميس ,25 آب / أغسطس

صورة البروفايل ودلالاتها

GMT 06:10 2025 الثلاثاء ,30 كانون الأول / ديسمبر

مواقيت الصلاة في مصر اليوم الثلاثاء 30 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 05:08 2019 الإثنين ,09 كانون الأول / ديسمبر

تيسلا الكهربائية تصل سان لويس لمكافحة الجريمة في المكسيك

GMT 04:22 2018 الثلاثاء ,11 أيلول / سبتمبر

تذبذب أسعار الأسماك في الأسواق المصرية الثلاثاء

GMT 00:19 2018 السبت ,03 شباط / فبراير

الجبلاية تعلن حكام مباريات مباريات السبت
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt