توقيت القاهرة المحلي 10:45:30 آخر تحديث
  مصر اليوم -

حتى نفهم أكثر

  مصر اليوم -

حتى نفهم أكثر

عمار علي حسن
كل فعل إنسانى يجب فهمه فى سياق نفسى، واجتماعى واقتصادى، وسياسى، وثقافى فى آن، الأمر الذى يجعلنا فى أمس الحاجة إلى رؤية إحاطية أو تكاملية، تستفيد من عطاء العلوم الإنسانية على وجه الخصوص، ومن دون ذلك ليس بوسعنا أن نتخيل طرق ناجعة مختلفة للتعامل مع المشكلات البحثية والحياتية التى نواجهها. فإذا كان التخصص المتزايد قد أفاد العلم، فإن فائدته بالنسبة للعالم نفسه هى محل شك، فالعالم الذى يكرس حياته كلها لمجال أو فرع علمى ضيق، يتحدد تفكيره بهذا المجال ويصعب عليه الخروج عنه، مع الثورة الرهيبة فى المعلومات والمعارف، وبهذا يقع كثيرون من المشتغلين بالعلوم فى فخ الانشغال بفرع واحد، ولا تنمو لديهم سوى ملكة واحدة، بل قد تضمر بمرور الوقت، تحت وطأة الاستسلام للسير فى مسرب علمى محدد، ويبدو حال مثل هذا الباحث شبيهاً بإنسان له أنف ضخم وأذن هائلة، لكن جسمه ضئيل معلق بهما، حسب تصور الفيلسوف الألمانى فريدريك نيتشه، بل يطلق البعض عليه لقب «الهمجى المتعلم»، Savage The Learned أو «العالم الجاهل». وفى كتابه الرائع العميق «التفكير العلمى»، يقول الدكتور فؤاد زكريا إن التخصص المفرط لا يؤدى فقط إلى عزل المشتغل بالبحث العلمى عن كافة جوانب المعرفة الأخرى، بل يعمل أيضاً على توسيع الفجوة بين العلم والإنسان، إذ يحول العلم إلى أداة فنية مفرطة فى التعقيد، وإلى مجموعة من الإجراءات التى تقتضى تدريباً وتعليماً مكثفاً، ومن ثم يتباعد العلم تدريجياً عن الإنسان فى وجوده المتكامل المحسوس، وفى مشاكله الواقعية العينية، ويزداد البحث العلمى عجزاً عن رؤية الصورة الكلية للحياة الإنسانية، لأنه يفنى عمره فى قطاع شديد الضآلة من قطاعات عالم الطبيعة أو الإنسان». وبمرور الزمن قد يعتقد أن المسرب الضيق الذى يمر فيه هو الحياة بأسرها، ولا يتخيل شيئاً مختلفاً عنه، أو متناقضاً معه، أو حتى مكملاً له، لكن التمرد على ضيق التخصص، والخروج منه إلى براح المعرفة الإنسانية الواسعة، أو استخدام عطاءات العلوم والمعارف الأخرى فى تعزيز «التخصص» وإثرائه، ورؤية الجوانب المظلمة فى الظواهر التى يدرسها المتخصصون صار مألوفاً لدى كثير من الباحثين فى الوقت الراهن، ولهذا يقول عالم الاجتماع الأمريكى «رايت ميلز» فى كتابه «الخيال العلمى الاجتماعى»: إن «الحقيقة المركزية اليوم هى تحلل الحدود الفاصلة بين الأنظمة بصورة متزايدة، فالمفاهيم أصبحت تتحرك من نظام إلى آخر بيسر وسهولة متنامية، وفى هذا الشأن سنجد أن هناك حالات بارزة فى مجالات العمل ترتكز على الاقتصار على التمكن والسيطرة من لغة ميدان واحد، ثم استخدامها بحذق ومهارة فى المجال التقليدى لمجال آخر.. ونحن نجد أن كل علم من العلوم الاجتماعية قد عملت على تشكيله تطورات داخلية ذات صبغة فكرية، كما أن كلاً منها قد تأثر أيضاً بصورة قاطعة بأحداث نظامية، وكثيراً ما كانت مسألتى التسامح والاختلاف فى مجال الأنظمة القائمة بالفعل، وتشمل الفلسفة والتاريخ والعلوم الإنسانية، هما اللتان تحكمان ميادين علم الاجتماع والاقتصاد والأنثروبولوجيا، وعلم السياسة، وعلم النفس». وقد ضرب الباحث رايموند جيس فى كتابه: «السياسات والخيال» مثلاً ناصعاً على استخدام الدراسات عبر النوعية فى إطلاق خياله العلمى، حيث وظف معرفته الواسعة بالتاريخ والأدب، والفنون، واللغات الأوروبية، والفلسفة لتحليل وضع السياسات العالمية فى الوقت الراهن واستشراف مستقبلها، فى مقالات متتابعة متنوعة، حاول فيها أن يثبت أن توظيف الخيال فى صنع السياسات لا يقتصر على المثاليين، أو النازعين إلى، والراغبين فى بلوغ الوضع الأمثل، إنما أولئك الذين يتفاعلون بشكل جاد مع الواقع.

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

حتى نفهم أكثر حتى نفهم أكثر



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt