توقيت القاهرة المحلي 02:59:03 آخر تحديث
  مصر اليوم -

خيانة زوجية صامتة

  مصر اليوم -

خيانة زوجية صامتة

عمار علي حسن

عزفت الكاتبة المصرية سعاد سليمان على وتر غير مشدود، باختيارها حكاية معتادة، قتلتها الأقلام تناولاً، لتكون موضوعاً لروايتها القصيرة «آخر المحظيات»، لكنها استطاعت أن تمنحها جاذبية إلى حد ما، عبر لغة شاعرية مقتصدة، وتقنية بناء ماكرة، حاولت من خلالها أن تعطى روايتها عمقاً واتساعاً على قدر المستطاع، وإن بدت الكاتبة، فى المجمل، لا تزال واقفة فوق المساحة التى جربتها، ونجحت فيها، وهى فن القصة القصيرة، الذى أبدعت فيه مجموعتين لافتتين هما: «هكذا ببساطة» و«الراقص»، إلى جانب رواية من الفانتازيا السياسية هى «غير المباح». سعت المؤلفة هنا إلى الخروج بعيداً عن عالم المهمشين، المحبذ لديها، والذى صنعت من ثناياه لوحات سردية بالغة الإحكام والجمال، لتتخذ شخصيات تنتمى إلى الشريحة العليا من الطبقة الوسطى لتكون أبطالاً لروايتها تلك، التى تحكى فيها قصة زوجة اكتشفت خيانة زوجها بعد موته، عبر الضغط على أزرة هاتفه الجوال، الذى كان محرماً عليها الاقتراب منه فى حياته، وكذلك ملفاته الورقية المكدسة بمكتبته، التى لم يسمح لها بأن تقترب منها فى حياته. إنها حكاية «رامى» الحقوقى والمترجم بالأمم المتحدة وابنة عمه «زينة» التى تزوجها، وأنجب منها، ليهرب من عشيقته الفنانة التشكيلية «هدية»، وهى تنتمى إلى أسرة مفككة، فأبوها، طبيب القلب الشهير، تنكر لها، وأمها عجوز متصابية، منحدرة من سلسلة محظيات متوالية عبر تاريخ مصر الحديث، وطليقها سادى، مربوط بعلاقة شاذة مع أمه، حيث يحكى لها تفاصيل لقاءاته الحميمة بزوجته. تبدأ الرواية بأسئلة توجهها الزوجة لزوجها الراحل: «لماذا مت؟ وكيف تموت دون أن أشفى غليلى منك؟ لماذا الآن؟ كيف أسترد حقى منك؟»، لتدور طيلة الوقت فى سلسلة من التساؤلات اللاهثة خلف إجابات ناقصة، فتصنع منها الكاتبة تقنية متنامية للتشويق، والتقدم المتهمل نحو نهاية تنطوى على مفارقة. وتقوم هذه التقنية على عكازين أساسيين، الأول يتمثل فى رسائل هاتفية شاعرية مكثفة تبعثها العشيقة إلى الزوج من رقم ليس مسجلاً باسم أحد فى سجل الهاتف. والثانى يتعلق بخطابات قصيرة أحياناً ومطولة أحياناً، يطالعها من دون أن يرد عليها، أو يكتب على هوامشها قصائد قصيرة حزينة تائهة، وفى المرة الأولى والأخيرة التى يرد على أحد الخطابات، ينكشف المستور، وتعرف «زينة «لماذا أهملها «رامى»، وعاش معها حياة فاترة صامتة، لم يهتم فيها بإنسانيتها، بدءاً من الانشغال بأحوالها النفسية التعيسة، وصولاً إلى الاعتناء بإشباعها جنسياً فى فراش الزوجية. وربما أرادت الكاتبة أن تنتقم من بطلها، اللامبالى المغرور، حين جعلته موضوعاً لتساؤلات الزوجة، ورسائل وخطابات العشيقة، من دون أن تعطيه أدنى فرصة ليبرر ما أقدم عليه، إلا فى خطابه الأخير، الذى أظهره رجلاً يهرب من طغيان عشق أورثه كآبة مقيمة، لأنه اعتاد ألا يكون ضعيفاً أمام امرأة. وعلى النقيض تأتى صورتا الزوجة والعشيقة إيجابيتين، فالأولى صابرة صامدة، والثانية وفية رقيقة، إلى حد أن رسائلها وخطاباتها تجعل الزوجة، تعيد اكتشاف زوجها الذى لم تعرفه أبداً، فتهيم به عشقاً بعد أن يفارق الدنيا. وتوظف الكاتبة خبرتها كامرأة فى التغلغل إلى أعماق نفس الزوجة المخدوعة المحرومة العاجزة، فتصور حيرتها، ثم رغبتها فى الانتقام «المعنوى» ممن خدعها، والثأر لكرامتها، ومحاولة التغلب على النكد العارم، الذى يغرقها، حتى ينتهى بها الأمر إلى الاستسلام لقيام أختها بمسح رسائل العشيقة، فيما تقوم هى بحرق الخطابات وحملها إلى قبر الزوج كى تهيلها على جثته، وهنا تقع المفارقة، التى تنتهى بها الرواية: «فجأة تجسد الكابوس حقيقة أمامى، حقيقة لا تقبل الجدل أو التكذيب، يرقد رامى شبه عارٍ، يحتضن امرأة من ظهرها، يضع يده اليسرى أسفل عنقها تعانق يدها اليمنى، وفوق خصرها تلتقى يدها اليمنى بيده اليسرى متشابكتين، على وجهها ابتسامة الرضى». وبينما عتق الزوج نفسه من طغيان العشق بالموت، قطعت العشيقة صلتها بسلسلة المحظيات فى عائلتها بعدم الإنجاب، وهذا جعلها فى خاتمة المطاف ممتنة للرجل الذى عذبها، فها هى تقول فى أحد خطاباتها: «لست غاضبة منك، لأنك رفضت أن تمنحنى طفلاً يهبنى أمومة هى حلم كل نساء الأرض، فأنت بذلك وضعت النهاية لتاريخ المحظيات التعيسات، فكنت آخرهن». أما الزوجة، فرغم أنها الضحية، فهى لم تجد ما يشفى غليلها، لتجتر تعاستها، وتعيش هواجسها، وتنحنى من جديد أمام إذلالها، ففى الوقت الذى ظنت فيه أن حرق الرسائل ورميها على جثة الزوج الخائن سيشفى نفسها المشتعلة حزناً، اكتشفت أن العشيقة متوحدة معه فى موت هادئ، وهنا تصف الرواية حالها، على لسانها، فى آخر جملة لها: «تلاشت معالم الطريق من أقدامى، وحيدة ضائعة، أحاول أن أصلب طولى، وأتلمس طريقاً للخروج». نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

خيانة زوجية صامتة خيانة زوجية صامتة



GMT 01:55 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

حتى كتابة هذه السطور

GMT 01:52 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أخطر بند في الاتفاق

GMT 01:50 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ونحن... البديل والبَدْلي

GMT 01:45 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أي تفاؤل بسلام إقليمي في عهد نتنياهو؟

GMT 01:42 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

إيران ولبنان في لحظة عاطفيّة...

GMT 01:40 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

بلفاست... تفسير ما حدث

GMT 01:38 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

سعد الصويان في عيون الثقافة السعودية

GMT 01:29 2026 الأحد ,14 حزيران / يونيو

أدراج وسلالم

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 07:17 2025 الجمعة ,19 أيلول / سبتمبر

قمة الثبات العربي والإسلامي

GMT 09:48 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الجدي الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 17:59 2024 الثلاثاء ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

أجمل الساعات النسائية المثالية لهذا الموسم

GMT 10:36 2020 الثلاثاء ,12 أيار / مايو

تعرف على عمر نور اللبنانية وعدد أبنائها

GMT 17:09 2019 السبت ,24 آب / أغسطس

اكتشفي اجمل واحب قصص لأطفالك قبل النوم

GMT 15:39 2017 الثلاثاء ,19 أيلول / سبتمبر

شاب في إمبابة يدفع ثمن شهامته بـ"طعنة غدر"

GMT 13:45 2021 السبت ,18 أيلول / سبتمبر

كارمن سليمان توجه رسالة إلى الفتيات
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt