توقيت القاهرة المحلي 13:15:42 آخر تحديث
  مصر اليوم -

تعالوا لنبنى «النفس الديمقراطيـة»

  مصر اليوم -

تعالوا لنبنى «النفس الديمقراطيـة»

عمار علي حسن
أشاع المثقفون المنتفعون من السلطة أن شعبنا غير مؤهل للديمقراطية، لأنه لم يستعد نفسياً لهذا النوع من الحكم، إذ إن الديمقراطية عملية تربوية، تقوم فى جوهرها على حزمة من القيم التى تتم على أساسها تنشئة الفرد، بدءاً من الأسرة، وحتى الحزب السياسى، مروراً بالعديد من المؤسسات الاجتماعية، التى ينخرط فيها الناس أو يتماسون معها طيلة أعمارهم المديدة. ويقول هؤلاء إن فى بلادنا لا تنتج كل هذه المؤسسات سوى طغيان مقنع، ومن ثم علينا أن نزيح طبقات كثيفة من الأفكار والممارسات المستبدة حتى تستوى الديمقراطية على سيقان اجتماعية وثقافية متينة. ويستند هؤلاء فى تصورهم هذا إلى أن علم النفس الاجتماعى ينتصر لدور التنشئة السياسية فى التمهيد للحكم الديمقراطى، عبر تكوين الفرد المؤمن بالحريات العامة، الحريص على المشاركة، المتسامح مع الآخرين والمؤمن بحقهم فى الحرية، المستعد لتكريس بعض جهده لتقوية دعائم المجتمع المدنى بما يمنع السلطة من التغول والتجبر، والقادر على أن يخوض مواجهة حامية إذا شعر أن الديمقراطية التى ينعم بها مهددة، أو أن هناك من يتربص بها، ويريد اختطافها لحساب فرد مستبد، أو قلة محتكرة. وبالطبع فهذه الخطوة مهمة كى تولد الديمقراطية على أكف قوية وفى نور ساطع يغلب عتمة الاستبداد، ثم تتعزز وتحافظ على وثوقها وثبات خطواتها وامتلاكها القدرة على تصحيح مسارها. لكن الربط الحتمى بين السمات النفسية للمحكومين ونوعية الحكم الذى يقودهم، هو من قبيل تعويق جهد الراغبين فى وضع أفضل لمجتمعهم، ومن ثمّ تطويل أعمار أنظمة حكم تخاصم الديمقراطية وتكره من ينادى بها أو يدافع عنها. وأنصع برهان على ذلك أن العديد من المجتمعات الغربية، لم تكن لحظة تحولها إلى الحكم الديمقراطى، أو حتى فى الوقت الراهن، تحمل سمات نفسية واحدة، أو حتى متشابهة؛ فالدراسات التى أجريت على سيكولوجية الشعوب فى مطلع القرن العشرين مثلاً، ومنها كتاب مهم ألفه أندريه سيجفريد، أظهرت أن هناك اختلافاً فى القسمات المشتركة لشعوب هذه المجتمعات، فالسمة العليا لدى الفرنسيين هى «البراعة» ولدى الإنجليز «العناد» وعند الألمان «التنظيم» أما الأمريكيون فهم شعب «ديناميكى» والروس «متصوفون». ولحظة إجراء هذه الدراسات كان الإنجليز والفرنسيون والأمريكيون والألمان ينعمون بالديمقراطية على الدرجة نفسها رغم اختلاف سماتهم النفسية. والروس ضاقوا ذرعاً بالاستبداد طيلة الحكم الشيوعى، وها هم يضغطون كل يوم من أجل تعزيز تطورهم الديمقراطى، ومنهم من يريد تحقيق هذا الهدف بالجهود الذاتية، ومنهم من لا يمانع من دعم من الخارج لهذا المسار. ولتفنيد ما يذهب إليه فقهاء السلطة على الجماهير أن تزاوج بين ضغطها المتواصل من أجل الديمقراطية «الآن وهنا»، والعمل الجاد فى سبيل أن تنشأ ديمقراطيتنا سليمة معافاة. وحتى يتحقق الأخير من الضرورى أن نبنى الديمقراطية داخل أنفسنا أولاً، فيربى الآباء أبناءهم على كراهية الاستبداد، ورفض الاستعباد، والانحياز إلى الحلول الجماعية والمصلحة العامة، والإصرار على المشاركة فى صناعة المصائر، صغيرها وكبيرها، وتقبُّل الرأى الآخر والفكر المخالف، والاعتياد على الاختيار من بدائل، وليس الانصياع لإملاء مسار واحد. وأول خطوة لتحصيل ذلك هى «تقدير الذات»، فالإنسان الذى يبخس ذاته لا يمكنه، فى نظر المدارس النفسية كافة، أن يتطلع إلى نيل حقوقه، مهما كانت ضئيلة، بل يستمرئ التفريط فيما له، ويركن إلى استعذاب الاضطهاد، وقد يصل به الأمر إلى حد تصور أنه لا يستحق الاحترام، بل لا يجدر به أن يحيا من الأساس. وتقدير الذات قد يجد بابه الأوسع فى إدراك ما فى الأديان السماوية من دعوة إلى مقاومة الظلم، ومكافحة الشر والفساد، وإلى البحث عن الحل الجماعى، وليست الحلول الفردية المفرطة فى الأنانية، التى لا تنتج سوى تمزق النسيج الاجتماعى، وبذلك تجد السلطة الحاكمة فرصاً متجددة للتجبر والتوحش. والبداية ستكون حين تشرع الجماعات البحثية والكتاب والمثقفون وواضعو البرامج التعليمية وخطباء المساجد ومؤلفو الدراما التليفزيونية وأفلام السينما فى تطبيب نفسية الإنسان المصرى، وإخراجها من الإحساس الكاذب بالضعة والاستضعاف، وانتشالها من الاكتئاب والانسحاب والشعور المرير باللاجدوى. وصدق رب العزة الذى يقول فى محكم التنزيل: «إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».. صدق الله العظيم. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

تعالوا لنبنى «النفس الديمقراطيـة» تعالوا لنبنى «النفس الديمقراطيـة»



GMT 07:13 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

إيران و«جيوش سليماني» وانقلاب ترمب

GMT 07:05 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

جولة باكستان... هل تنتج شيئاً؟

GMT 07:02 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

لبنان... من ساحة إلى طرف في النزاع

GMT 06:46 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مبدعون أحالوا الأشواك وروداً

GMT 06:34 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

فى منتخبنا مسيحى

GMT 06:32 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

مَن اخترق حاجز الزمن «العندليب» أم «الست»؟

GMT 06:30 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

أوهام لبنانية

GMT 06:27 2026 الإثنين ,30 آذار/ مارس

صوت للعقل من الكويت

إطلالات النجمات في ربيع 2026 أناقة تجمع الحيوية والبساطة

الرياض - مصر اليوم

GMT 15:43 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 15:45 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 03:52 2020 الإثنين ,13 كانون الثاني / يناير

قائمة وجهات مميزة لإضافتها إلى أمنياتك للزيارة و المغامرة

GMT 11:34 2020 الإثنين ,30 تشرين الثاني / نوفمبر

احذر التدخل في شؤون الآخرين

GMT 22:33 2026 الأربعاء ,11 شباط / فبراير

حظك اليوم برج الميزان الأربعاء 11 فبراير / شباط 2026

GMT 08:55 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الأسد الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025

GMT 08:44 2025 الجمعة ,05 كانون الأول / ديسمبر

حظك اليوم برج الثور الجمعة 05 ديسمبر/ كانون الأول 2025
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt