توقيت القاهرة المحلي 23:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

أبطال الثورة الحقيقيون

  مصر اليوم -

أبطال الثورة الحقيقيون

عمار علي حسن
جاءوا من الشوارع الخلفية، من البيوت الخفيضة التى نامت طويلاً على الضيم والفقر والصبر. جاءوا جيوشاً جرارة إلى قلب المدن، سواعد فتية، وحناجر تطلق ضجيجها الهادر فى وجه الظلم والفساد والجبروت فتصده وترده. قلة منهم سبقتنا إلى هناك، حيث الراحة الأبدية فى رحاب ذى الجلال. كانوا أبرياء فضحّوا بأرواحهم. الأغلبية عادت صامتة إلى الأزقة والحارات المغبونة، تضرب النرد على المقاهى من جديد، وتروض الوقت انتظاراً لفرصة حياة كريمة. هؤلاء هم صنَّاع الثورة المصرية الحقيقيون فى 25 يناير و30 يونيو، والذين فتحوا أمام أقدامنا، التى تورمت من الجلد والسحل والقهر، طريقاً وسيعاً نحو الحرية، وجعلونا نشعر بأن كل ما خطته أيادينا فى السنوات السابقة من حروف لم يكن حرثاً فى بحر، وكل ما قلناه فى ندوات ومؤتمرات أو خلف الشاشات الزرقاء لم يكن نفخاً فى الفراغ. هكذا سمع الشعب ووعى وآمن بأن قدرته فى عدده وتوحد إرادات أفراده. أما النخبة التى صاحت طويلاً فى وجه السلطة الغاشمة فقد عادت إلى صراخها؛ بعضهم من أجل الفتات الرخيص. بعضهم مغبون لأن الزحام الشديد بالميادين الوسيعة لم يترك لقدميه مكاناً. بعضهم يخاف على الثورة أن تقف فى منتصف المسافة، ويخشى على الذين جاءوا من دون سابق ترتيب بأن يغيبوا مرة جديدة، ويصبح استدعاؤهم صعب المنال. بعضهم شعر بأن مصر باتت لقمة سائغة، أو فريسة سهلة، يمكن أن ينقض عليها فيقتنصها. بعضهم راح يعدو وراء المنافع والمناصب من جديد. كل هؤلاء يتناسون فى سطوة الاستسلام لأنانيتهم المفرطة أن نحو ألف شهيد قد سقطوا، وأكثر منهم فقدوا أبصارهم، وأضعافهم أصابتهم جروح وقروح. وأعلى من ذلك، يتناسى هؤلاء أن عشرات الملايين من المصريين يحلمون بالحرية والكفاية والعدل، وينتظرون أن تفتح الثورة المباركة أمامهم طريقاً وسيعاً للبناء، ليشبعوا بعد جوع، ويكتسوا بعد عرى، ويرفرفوا بعد أن خلع النظام البائد أجنحتهم. الناس فى بلادى هم أبطال الثورة الحقيقيون، لكن هناك من يبذل كل جهده الآن من أجل تغييبهم عن المشهد، إما عن قصد وسوء نية، أو عن جهل، أو حتى عن استعلاء وقصر نظر. هؤلاء الأبطال لم يوكلوا أحداً حتى الآن ليتحدث باسمهم، لم يعطوا صكاً على بياض لأى مخلوق كان، كى يدّعى أنه يمثلهم، ولم يباركوا طرفاً كى يزعم أنه أمين على الثورة. ولسان حال أصحاب الثورة هو أن الجيش وكيل مؤقت عنهم، والكلمة الأخيرة ستعود إليهم، ليقولوا ويحددوا هم من سيدير الدولة فى الفترة المقبلة. إن صراع الديكة الذى يدور على الفضائيات اليوم يذهب بالمصريين إلى القضايا نفسها التى كانت تثار أيام حكم المستبد حسنى مبارك والفاشل المتغطرس محمد مرسى، التى كانت أجهزة الأمن أولاً، وتنظيم الإخوان ثانياً، يصنعان بعضها لأخذ انتباه الناس بعيداً عن الأمور الحيوية التى تهم حياتهم. ويبدو أن الإعلام اعتاد هذا النهج ولا يريد أن يتخلص منه، ويلقيه تحت أقدام الثائرين، ليبدأ فتح صفحة جديدة مسئولة ترمى إلى إطلاق الطاقات الذهنية والنفسية لتبدع أفكاراً تسهم إسهاماً خلّاقاً فى بناء البلد، وتحقق مطالب الثوار الحقيقيين، الذين ضربوا الشوارع بأقدامهم فزلزلوا الأرض من تحت نظامين بائدين، فسقطا، ثم عادوا من حيث أتوا، ليقوم غيرهم بإحكام القبضة على دفة الأحداث والوقائع وصناعة الأخبار وطرح المسائل على طاولة النقاش اليومى. إن الشعب الغاضب الذى فتح صدره أمام الرصاص فى الشوارع والميادين، وضرب بساعده الفتى حشود الأمن المدججة بالظلم والكراهية، كان يهدم نظامين أذاقا المصريين الفقر والذل والهوان، ليفتح باباً وسيعاً أمام بناء نظام آخر على أنقاضهما، ينقل مصر كلها من هامش العالم إلى متنه، لكن يبدو أن قوة شريرة، شبابية وغير شبابية، توجهها غرائزها ومصالحها الخاصة الضيقة وفهمها المريض وتفكيرها المنعزل الصغير ورغبتها الجامحة فى حب الظهور وركوب الموج وسرقة المواقف واصطناع البطولات المزيفة تريد أن تجر مصر العظيمة إلى مستنقع جديد من الارتباك الأمنى والتخلف الفكرى والتردى الاقتصادى، ومثل هؤلاء يخونون دماء الشهداء ويتنكرون لأوجاع الجرحى، ولا يربطهم عهد ولا ذمة بأبطال الثورة الحقيقيين، الذين ضحوا من أجل دولة حديثة، نظامها ديمقراطى، وحكمها مدنى، يقام فيها العدل، وتحقق فيها الكفاية، وتصان الحريات. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

أبطال الثورة الحقيقيون أبطال الثورة الحقيقيون



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt