توقيت القاهرة المحلي 23:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الرسم بالدم (1 - 3)

  مصر اليوم -

الرسم بالدم 1  3

عمار علي حسن
من بين فصول حرب الخليج الثانية التى اندلعت فى يناير من عام 1991 وأطلق عليها اسم «عاصفة الصحراء»، لا تزال ذاكرة العالم محتشدة باللقطات المتتابعة لطائرة «الشبح» الأمريكية، وهى تحلق طليقة فى سماء العراق، دون أى اعتناء بالصواريخ المطاردة، أو بالأهداف المتحركة المراوغة. تلك الطلاقة، وذلك التحليق، الذى لم يهدأ طيلة أيام الحرب، كان يغطى تماماً على ما يجرى فى أرض الواقع، فى محاولة لحسم المعركة مبكراً عبر «الصورة»، التى جرفت أمامها، فى الوقت نفسه، سيل الكلمات المسموعة والمقروءة التى تصف الحرب، وتسهب جاهدة فى تبيان تفاصيل، لم يقطع أحد، إلى الآن، بدقتها. ومع هذا الغموض المخطط له، بفعل نقص المعلومات الواردة من ميدان القتال، أتيح للولايات المتحدة الأمريكية أن توظف الصورة بعناية فائقة فى كسب المعركة، إلى درجة حدت بالبعض إلى القول إن «سى إن إن»، التى ولدت على أكف حرب الخليج الثانية، هى المنتصر الأول، بل وصل الأمر بالأمين العام السابق للأمم المتحدة الدكتور بطرس غالى إلى وصف هذه المحطة التليفزيونية الإخبارية الشهيرة بأنها العضو السادس الذى امتلك حق الفيتو فى مجلس الأمن الدولى إبان تلك الحرب. ورحلة الوصول إلى توظيف الصور المتحركة فى الحرب تمثل ذروة لتجربة طويلة فى العلاقة بين الرسم والدم، بدأت بتلك الرسومات المحفورة على جدران المعابد فى مصر القديمة، للملوك وهم ذاهبون إلى ساحات القتال، تتقدمهم حراب مشرعة، وتتبعهم صفوف من الجند المدججين بالسلاح. ثم بدأت مرحلة الرسم بالكلمات، حين توصل البشر إلى حروف اللغة. فحفلت الملاحم اليونانية والقصائد الشعرية العربية بتصوير مكتوب للمعارك. وعبر هذا الإبداع الفنى عرفنا حرب البلبونيز فى اليونان القديمة، وكيف انتصر عسكر أسبرطة على جند أثينا، وصار لدينا خبر بحرب البسوس الطويلة بين قبائل عربية فى العصر الجاهلى. وعلى المنوال نفسه صور الناس فى بقاع الأرض قديماً الحروب التى خاضوها، إما عدواناً على الغير أو دفاعاً عن النفس والأرض والعرض، من خلال الكتابات النثرية والنظم الشعرى، التى لم تتجاوز حد الوصف أو الرسم بالكلمات، أى أنها فى خاتمة المطاف، كانت تصويراً مكتوباً، يمجد الأنصار، ويحط من شأن الأعداء. وخلال الحرب الأهلية الأمريكية كان الحفارون على الخشب والنحاس يرافقون المستوطنين من الهنود الحمر، فى اتجاههم صوب الغرب، هرباً من الإبادة، لينحتوا ما يرونه من معارك شرسة. وفى عام 1770 نحتوا صوراً للمذبحة التى جرت فى بوسطن. وفى القرن التاسع عشر، كان الرسامون يذهبون إلى ميادين القتال، باستخدام الدراجات الهوائية، ليقفوا على مشاهد واقعية، يعودون ويجسدونها على مهل فى لوحات تشهد على سير المعارك، وتؤرخ لها، على الأقل من الناحية الفنية. وكان بعضهم يرسل ما التقطه من صور معلقاً فى مناطيد تسبح فى الهواء، أو بشر يسبحون فى المياه الطليقة. وفى حرب القرم بين روسيا وبريطانيا، التى اندلعت عام 1848 واستمرت حتى 1870، دخلت الكاميرا لأول مرة إلى ميدان القتال، بعد أن سمح لها العسكريون بتسجيل المعارك. ومنذ ذلك التاريخ صارت «آلة التصوير» جزءاً لا يتجزأ من الحروب أينما وقعت. وللوهلة الأولى أظهرت لحظة الميلاد هذه أن المصورين الحربيين، فريقان، الأول يضم «سياح الحرب» الذين يتفرجون عليها من بعيد، ويسجلون بكاميراتهم ما راق لهم، أو ما أوعز إليهم، من مشاهد. أما الثانى فيضم أولئك الذين يقفون «ضد الحرب» لأنهم، من هول ما يرونه من فظائع، يرفضون قتل الإنسان لأخيه الإنسان، أياً كانت الأسباب أو المبررات. واستمر التصوير بالحرف سنوات، حتى إنه رافق اختراع الكاميرا فى مراحلها الأولى. فعلى سبيل المثال لا الحصر، مارست قوات الحلفاء حرباً نفسية على قوات المحور فى الحرب العالمية الثانية، بإلقاء قوائم بالأطعمة التى يأكلها الجنود الأمريكيون والبريطانيون والفرنسيون، ومن يقاتل فى صفوفهم، على رؤوس الجند الألمان، خصوصاً فى البقاع المحاصرة والجيوب المعزولة، أو التى كانت تعانى نقصاً فى الإمدادات الغذائية، وشملت هذه القوائم أسماء الأطعمة وصوراً لها، مما كان له وقع سلبى فى نفوس الألمان. وأرادت إذاعة «بى بى سى» أن تنقل إلينا، عبر الصوت المجسم، صوراً حية، من ميادين القتال، فاعتادت استضافة مراسليها المرافقين للصفوف الأمامية من فرقاء الحروب، ومسئولين من الطرفين المتقاتلين، ومحللين متابعين للحرب عن كثب، وأحياناً فقرات مسموعة من المعركة، فكادت بذلك تحول الكلمات التى تصيخ لها الآذان سمعاً إلى صور تقتحم العيون، وأن تجعل السمع حاسة كافية للوقوف على ما يجرى. (ونكمل غداً إن شاء الله تعالى) نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الرسم بالدم 1  3 الرسم بالدم 1  3



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt