توقيت القاهرة المحلي 23:58:20 آخر تحديث
  مصر اليوم -

همسات لها أجنحة

  مصر اليوم -

همسات لها أجنحة

عمار علي حسن
منذ رحيل كاتبنا الكبير الأستاذ أنيس منصور، لم أقرأ عبارات شاعرية مكثفة، كل منها تنطوى على حكمة سابغة وقيمة إنسانية عميقة وتفاعل خلاق مع حركة الحياة، إلا بقراءة كتاب من جزأين للكاتب والشاعر والصحفى المصرى الأستاذ سلطان الحجار، المقيم بدولة الإمارات العربية المتحدة حاليا؛ حيث يعمل فى جريدة «الاتحاد». فقد أهدانى كتابه ومعه روايتان أبدعهما عن ثورة يناير، الأولى بعنوان «فراشة الميدان» والثانية «نشاطة سياسية»، كلتاهما تنطلق من الواقع القاسى الذى قاد إلى انفجار الثورة، ثم تتابعان تطورها وتأرجحها بين أيدى ثوار أنقياء حالمين وأدعياء انتهازيين ينتظرون فى مكر أن تسقط كل الثمار فى أيديهم. يعرّفنا الكاتب على بطلة روايته الأولى قائلا: «فراشة الميدان اختارت التمرد على واقع شعب طريد.. حاولت أن تمتص رحيق الحرية من ورد الجناين، لكنها رحلت برصاصة غدر لتدفع ثمن بقاء وطن»، أما روايته الثانية فتحكى سيرة «ناشطة سياسية» من الألف إلى الياء، مستلهمة شخصيات نعرفها فى الواقع، لكن الكاتب يضيف إليها من خياله الكثير. وفى الروايتين يتفاعل «الحجار» مع الثورة، فى غربته. تلك الغربة التى يقول بشأنها فى قصيدة له: «الغربة/ دفتر ورق/ حكايات/ على صفحات/ عرق/ آهات/ عمر راح/ وغرق..»، وذلك الاغتراب الذى يراه أيضا: «عضة ألم/ تنهش/ عرض الأيام/ تهتك/ ذكريات وطن، وطيف علم/ يرقص على لحن العدم/ يرفرف فى سماء/ تمطر جرحا/ على جسد هرم»، وهذا المغترب الذى هو فى نظره: «بقايا إنسان/ يطوى: أوجاع قدم/ هائم/ على سطح الندم/ ينادى الحنين/ من خلف الزمن/ يناجى ولد/ يرضع/ من ثدى الحزن/ ويبكى فراق السند». لكن الجزء الفارق فى كتابات «الحجار» هو همساته الشجية العميقة، التى يقول عنها الأديب العراقى جعفر عباس فى تقديمه للجزء الثانى منها: «أول استنتاج توصلت إليه فور قراءة هذه الهمسات هو أن صاحبنا سلطان الحجار يكره المعلبات، وقرر من ثم أن يخرج علينا بنصوص تليغرافية مكثفة، ولكن حُبلى بالمعنى. ففى عبارات موجزة يقول لنا رأيه فى الناس والعلاقات الإنسانية والاجتماعية.. هذا دفتر صغير الحجم لكنه كامل الدسم، ومع هذا فهو خالٍ من الكوليسترول الذى يصيب الدماغ بالإرهاق». والحقيقة أن وصف «عباس» غاية فى الصحة والدقة؛ إذ يتميز «الحجار» فى هذا النوع من الكتابة بشكل لافت، ليمنحنا «كبسولات» فى كل شىء وكل معنى، السياسة والمجتمع والتاريخ والدين والسمات البشرية والحالات النفسية، علاوة على نصائح موزعة فى اتجاهات عديدة. وقد آثرت، فى هذا المقام، أن أختار بعض هذه العبارات المصفاة لأبرهن للقارئ العزيز على ما أقول: - «كثيرة هى المجتمعات التى تعيش على فضلات الأخلاق». - «السياسة قد تكون اللعبة الوحيدة التى يخسر فيها الطرفان». - «اليوم الوحيد الذى لا تبكى فيه هو يوم موتك؛ لأن هناك آخرين يقومون بذلك». - «لا تنظر إلى الجانب الآخر من الشاطئ؛ فالذين هناك قد يكونون أكثر سوءاً». - «فى الخريف تتحرر الأشجار من أوراقها، وفى الحياة هناك بشر يتحررون من جذورهم». - «الديكتاتور شخص اعتاد على فرض رأيه، بعد أن اكتشف أن حوله أناساً بلا رأى». - «العازب إنسان عاقل، لديه يقين بأن المأذون يمثل خطرا على حياته». - «النكد بضاعة نسائية يتم طرحها فى سوق الرجال فقط». - «هناك من يصف المرأة بالمخلوق الضعيف، رغم أنها تنجب رجالا يدمرون العالم». - «إذا كان القانون لا يحمى المغفلين، فإننا جميعا بلا حماية». - «الصحافة الحكومية ورقة توت تمنع تعرية المسئولين أمام الشعوب». - «الحلاق يرى أن الصلع هو أخطر أمراض البشر على الإطلاق». - «للأسف فلسطين هى الدولة الوحيدة التى تتفاوض مع المحتل تحت مبدأ ألا يغتصب كل أراضيها». - «المجنون شخص فقد عقله نتيجة عدم قدرته على تحمل جنون الآخرين». وهكذا ينهمر قلم «الحجار» بمئات العبارات على شاكلة ما سبق، وهو فن رائع رائق، قد تناقض بعض مقولاته بعضها، وقد تحوى حكما قاسيا، أو انطباعا عابرا، لكنه فى كثير من الأحيان يصيب كبد الحقيقة، وفى كل الأحوال يثير الخيال، ويعبر عن المتاهة التى يدور فيها الإنسان طيلة حياته وهو يتقلب على أشواق إلى الحرية والجمال والحق والعدل. نقلاً عن "الوطن"

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

همسات لها أجنحة همسات لها أجنحة



GMT 12:42 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

خطوة جزائرية لا يمكن الاستخفاف بها…

GMT 12:39 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

لبنان… والفرصة السورية

GMT 12:32 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

الهند دولة يقع الدبلوماسى فى حبها

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

سقط النّظام الإيرانيّ… قبل أن يسقط!

GMT 12:29 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

هل تحقق الحكومة تكليفات الرئيس؟

GMT 12:27 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

بدون جمهور.. «هههههه»!

GMT 12:13 2026 الخميس ,12 شباط / فبراير

اللُّحمة الوطنية تتعمق في الأزمات

إطلالات مايا دياب بالأحمر تعكس أناقة رومانسية في أجواء عيد الحب

بيروت ـ مصر اليوم

GMT 13:59 2025 الأربعاء ,29 تشرين الأول / أكتوبر

رحمة رياض تتألق بإطلالات متنوعة تجمع بين الأناقة والجرأة

GMT 08:10 2021 الأربعاء ,06 تشرين الأول / أكتوبر

حلمي عبد الباقي يحيي حفلا غنائيا في ساقية الصاوي

GMT 15:40 2018 الثلاثاء ,02 كانون الثاني / يناير

رانيا فريد شوقي سعيدة بنجاح "أبو العروسة"

GMT 01:39 2017 الأحد ,19 تشرين الثاني / نوفمبر

شريف مدكور سعيد بردود الأفعال عن حلقة سمر يسري

GMT 17:41 2020 الأحد ,09 شباط / فبراير

غلاف كتاب يتسبب في فضيحة كبرى للتعليم
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt