توقيت القاهرة المحلي 20:28:56 آخر تحديث
  مصر اليوم -

الحاجة إلى قائد

  مصر اليوم -

الحاجة إلى قائد

عمار علي حسن

القائد غير الرئيس، فالقادة قد لا يكونون فى كل الأحوال رؤساء، أى لديهم موقع رسمى وسلطة تحددها قوانين وتشريعات، ومن الممكن أن نجد شخصاً فى مجتمع معين متواجد خارج الهياكل الرسمية لكن دوره فى صناعة واتخاذ القرار كبير، أو له من الصيت والهيبة ما يجعل متخذ القرار يراعى موقفه ورأيه حتى ولو لم يرجع إليه مباشرة. وقد يحدد السياق أو تتحكم الظروف فى إنتاج القائد الذى يناسبها. ففى أيام الحروب والأزمات السياسية الحادة والطاحنة يولد الأبطال التاريخيون فى حياة الشعوب، وفى الأيام التى تعانى فيها المجتمعات من انقسام داخلى وفتنة أو وقوف على حافة الاحتراب الأهلى يولد الوسطاء والمفاوضون، الذين يطرحون الحلول الوسط، ويقربون بين الفرقاء المتصارعين، ويجذبونهم إلى منطقة للتلاقى، تمنع انفجار الوضع، وتعيد الاستقرار. والقيادة ضرورة لأى مؤسسة أو منظمة، صغرت أم كبرت، وهى متواجدة فى أى مجتمع، بدائى أم حديث، ولا يمكن أن تكون هناك قيادة بلا أتباع. لكن القيادة صعبة وليست غريزة عامة بين الناس، ولا يتصدى لها إلا من يقدر عليها. فالقائد عليه مسؤوليات والتزامات حيال الجماعة التى سيدته، أو المؤسسة التى رفعته، قد تمكنه من أن يعيش حياة طبيعية كالأفراد العاديين، وأن يتحمل النقد اللاذع لأقواله وأفعاله دون تبرم، وأن يعتبر هذا حقاً لأتباعه، إن كان قائدا ديمقراطيا، ولذا يفضل البعض عدم التصدى للعمل العام، خوفا من النقد أو المساءلة أو ارتباك العيش، والجور على الحياة الشخصية. وقد تكون القيادة حاجة نفسية عند بعض الشعوب، أو لدى شعوب فى بعض الظروف، حيث يتماهى الناس فى شخص الزعيم، يصدقونه ويتبعون خطاه. ويختلف نوع التماهى أو سببه أو تبريره من مجتمع إلى آخر، ففى المجتمعات الإقطاعية ينظر إلى القائد باعتباره «السيد المطاع»، وفى المجتمعات الحديثة يرونه إما واحدا منهم، ينتمى إلى خلفيتهم الاجتماعية ويؤمن بأشواقهم إلى العيش الكريم، ويحمل مطالبهم، ويسهر من أجل تحقيقها، أو أنه شخص ذكى بارع فى فعل كل ما يجلب لهم منفعة. والقائد هو شخص يحتل موقعاً بارزاً ويمارس دوراً محورياً بالنسبة لتابعيه، وله باع طويل من النفوذ بينهم والسيطرة عليهم. والقيادة هى ممارسة السلطة، والتأثير فى نطاق علاقة اجتماعية معينة، وتكون لفرد فى الجماعة أو أكثر، يحوزون القدر الأكبر فى تسيير الأنشطة، والتحكم فى المعلومات واتخاذ القرارات. وليس كل القادة لهم السمات والخصائص والأدوار ذاتها، بل يختلف الأمر ليس وفق قدرات القائد فحسب، بل أيضا السياق الذى يحكمه والتنظيم أو الجماعة التى يقودها. ومن هذه الزاوية ينقسم القادة إلى ثلاثة أصناف، أولها القائد البيروقراطى، وهو شخص يمارس مهامه عبر تسلسل هرمى أو سلطة «مكتبية» متدرجة، ويكون نفوذه على أتباعه مستمدا من القوانين واللوائح التى تحكم العلاقة معهم، وتعطيه سلطة العقاب والثواب. لكن هذا لا يمنع من أن يتمتع بعض القادة الإداريين بسمات شخصية، تجعل مكانتهم وهيبتهم غير مستمدة فى كل الأحوال من النفوذ الرسمى الممنوح ابتداءً لأصحاب المناصب العليا. والثانى هو القائد الديمقراطى، الذى يشرك من هم دونه فى صناعة القرارات، لاسيما تلك التى تؤثر تأثيرا بالغا على تواجد الجماعة ومصلحتها، ولا يقوم القائد بهذا مكرها إنما عن اقتناع بحق الآخرين فى تحديد المسارات وتقرير المصائر. وفى بعض الأحيان تكون البيئة المحيطة بالقائد تسلطية، وتكون القوانين مفصلة لصالحه أو تعطيه صلاحيات شبه مطلقة أو مطلقة، لكنه يفضل تجنب كل هذا، والعمل بروح الفريق، إيمانا منه بأن هذا هو الأسلوب الأفضل للوصول إلى القرار الرشيد. أما الثالث فهو القائد المتسلط، الذى يمتلك ويمارس سلطة مطلقة على أتباعه، فلا يشاورهم أو يرجع إليهم فى أمر أو قرار، وهم لا يملكون حياله إلا الطاعة التامة، وبعضهم قد يعتبرها واجباً لا فكاك منه. وأمثلة هذه القيادة يمكن أن نجدها فى نظم الحكم المستبدة، والجيوش، وبعض الشركات، والأسر الممتدة، والتنظيمات الاجتماعية الأولية، التى تعتمد على علاقات القرابة، بل إننا قد نجد أمثلة لهذه القيادة فى نظم ديمقراطية، يخرج فيها القائد على القانون، أو يهمل القواعد التى تهندس علاقته ببقية السلطات، أو بأعضاء الجهاز الإدارى للدولة أو مساعديه، ويتصرف وفق ما يراه هو، لكن القائد وقتها يكون محل نقد واستهجان، وقد تكلفه هذه المغامرة استمراره فى موقعه. وتتفاوت أساليب اختيار القادة السياسيين، فهناك من يصل إلى القيادة لأسباب وراثية مثل ما يجرى فى النظم الملكية والمجتمعات القبلية، وهناك من يحوزها لأسباب دينية، كحال الدالاى لاما فى الصين، لكن الأغلبية تصل إليها عبر طريق سياسى طويل، يحتاج إلى جهد وعرق وتفكير، كأن يترقى الشخص داخل حزب سياسى أو تنظيم اجتماعى، ويخوض منافسات شرسة من أجل هذا الترقى، حتى يصل إلى قمة الهرم، وينطبق الأمر نفسه على الحياة العسكرية، حيث يبدأ الضابط رحلته من رتبة صغرى، ويترقى تباعا، ويظفر فى النهاية بالقيادة، بعد أن يكون قد تغلب على كثيرين فى طريقه، بتصرفات مختلفة. وخلاصة هذا الطرح النظرى عبارة واحدة: لدينا رئيس، لكننا نفتقد إلى القائد، وهذا جزء كبير من أزمتنا، وسبب لتعثر ثورتنا حتى الآن. نقلاً عن جريدة " المصري اليوم " .

الإسم *

البريد الألكتروني *

عنوان التعليق *

تعليق *

: Characters Left

إلزامي *

شروط الاستخدام

شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

اُوافق على شروط الأستخدام

Security Code*

 

الحاجة إلى قائد الحاجة إلى قائد



GMT 10:23 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الضحايا المعتادون

GMT 10:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

ماذا تبقَّى من إمبراطورية طهران؟

GMT 10:15 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أميركا والمونديال والحذر والقدَر

GMT 07:30 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

كلاهما يبكي على ليلاه

GMT 07:24 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

رمضان و«فوبيا» الأرقام!

GMT 07:21 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

100 يوم حرب

GMT 07:19 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

باكستان في الشرق الأوسط الجديد

GMT 07:17 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

الإجرام المجاني أصبح له ثمن

إطلالات النجمات الحوامل أناقة عصرية تجمع الراحة والفخامة

القاهرة - مصر اليوم

GMT 02:18 2026 الأربعاء ,10 حزيران / يونيو

أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ
  مصر اليوم - أحمد عز يروج للأمير ونعد الجمهور بعمل مختلف ومفاجئ

GMT 15:36 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : ناجي العلي

GMT 15:47 2021 الخميس ,22 تموز / يوليو

بريشة : سعيد الفرماوي

GMT 01:54 2026 الإثنين ,08 حزيران / يونيو

اكتشاف نظام مائي ومسجد مملوكي قرب قلعة صلاح الدين

GMT 02:42 2026 الأربعاء ,18 آذار/ مارس

أفكار لأجمل بدلات للرجل الأنيق في خزانته

GMT 08:53 2024 الجمعة ,19 كانون الثاني / يناير

القمر في منزل الحب يساعدك على التفاهم مع من تحب

GMT 12:03 2020 الأحد ,01 تشرين الثاني / نوفمبر

حظك اليوم برج الثور الإثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2020

GMT 12:11 2023 الإثنين ,02 تشرين الأول / أكتوبر

الكتب الأكثر إقبالاً في معرض الرياض الدولي للكتاب
 
Egypt-today

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

Maintained and developed by Arabs Today Group SAL
جميع الحقوق محفوظة لمجموعة العرب اليوم الاعلامية 2025 ©

egypttoday egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday egypttoday egypttoday
egypttoday
Pearl Bldg.4th floor 4931 Pierre Gemayel Chorniche,Achrafieh Beirut- Lebanon
egypt, egypt, egypt